آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 9:49 ص

من عبق الماضي: المعلم والكتاتيب في القطيف

حسن محمد آل ناصر *

في ذاكرة الطفولة محطات لا تُنسى، لحظات صغيرة في حجمها لكنها عظيمة في أثرها، تختزن روح زمن كامل بطقوسه وأصواته ودهشته الأولى. أتذكر جيدًا أيام طفولتي الأولى في الكتاتيب التقليدية بالقطيف، وتحديدًا «القديح»، حين كان والدي حفظه الله معلمًا. كنت صغيرًا حين بدأت أعي بعض هذه الطقوس التعليمية في الكتاتيب، ولم أستوعب كل تفاصيلها إلا مع مرور الوقت، لكنني كنت حاضرًا في عالمه التعليمي الذي جمع بين المناهج النظامية والدروس القرآنية والحوزوية، وأصبح جزءًا من ذاكرتي المبكرة؛ حيث كان الوالد يدرّس المناهج الحكومية إلى جانب تعليم القرآن والمقدمات العلمية «الحوزة»، بينما كنت أنا وأقراني جزءًا من جمهور الصغار الذين يجلسون لنحفظ الأبيات ونتعلم الانضباط والاحترام للمعلم والمجتمع.

من بين تلك المحطات يبرز مشهد ظل عالقًا في الوجدان؛ لأنه لم يكن مجرد موقف عابر، لكنه نافذة فُتحت على عالم آخر، التقت فيه تقاليد التعليم القديم بعدسة الإعلام الحديث.

شكلت تجربتي الشخصية في الكتاتيب وعيي المبكر بأهمية هذه البيئة التعليمية، وأتاحت لي أن أرى كيف كانت العادات والطقوس جزءًا أصيلًا من نسيج تلك المرحلة، حتى وإن لم أكن أستوعب أبعادها كاملة في سنواتي الأولى، فقد كانت تلك البيئة حاضرة في حياتي بحكم أن والدي كان أحد المعلمين فيها.

وصحيح أن صغر سني آنذاك حال دون إدراكي لكثير من تفاصيل طقوسها القديمة، إلا أنها ظلت ترافقني منذ طفولتي، فصنعت في داخلي ارتباطًا عمليًا ووجدانيًا، وتحولت إلى ذاكرة لا تُنسى، لا بوصفها مكانًا للتعلم فحسب، بل تجربة إنسانية شكلت جانبًا من تكويني المبكر.

ونحن نحفظ أبيات «المساية»، كان ينتظرنا موعد قريب مع تلفزيون السعودية، موعد مسبق رتبه الوالد لإجراء لقاء عن طريقة التعليم قديمًا، وكيف كانت الكتاتيب، وإلى أين مضت مع تغير الزمن. أذكر أن طاقم التلفزيون حضر حاملًا كاميرات ضخمة الشكل تثير في نفوسنا الدهشة والرهبة، وكنا نؤدي الأبيات ونستعيد بعض حوارات التدريس القديم في مشهد جمع بين عبق الماضي وعدسة الحاضر.

الكتاتيب في القطيف، كما يظهر من الممارسة التعليمية في تلك الفترة، لم تكن مجرد أماكن لتعليم القراءة والكتابة، بل كانت بيئة تربوية متكاملة تجمع بين التعليم الرسمي والحفظ القرآني والتراث الشعبي. وكان للمعلم دور محوري؛ فهو ليس مجرد ناقل للمعرفة، بل شخصية تربوية واجتماعية ودينية تشبه دور الملا أو رجل الدين في المجتمع. كان المعلم مسؤولًا عن تنشئة الأطفال في جوانب متعددة من الحياة، بما في ذلك التعليم القرآني ودروس الأخلاق والانضباط والتقاليد الاجتماعية، كما هو واضح في الأنشطة اليومية مثل يوم الأربعاء ويوم الحريرة ويوم الشراك ويوم المحو.

في يوم الأربعاء، بعد ختم سورة المائدة، كان الأطفال «الطلاب» يتلقون الهدايا الرمزية، وتوزع عليهم بطريقة تجمع بين التعليم والاحتفال والبعد الاجتماعي الرمزي، وكانوا يرددون أناشيد «المساية» التي حفظوها منذ الصغر، وبعض منها:

تمسى يا معلم بالسعادة
وآمرنا بأمرك في الرواح

بدأنا بالنبي أحمد محمد
رسول الله حي على الفلاح

وحيدرة أبي حسن علي
مبيد الشرك في يوم الكفاح

وفاطمة وأبنيها جميعًا هما
السبطان أرباب الصلاح

وبالسجاد والباقر وجعفر
وموسى والرضا أهل النجاح

جواد الفضل والهادي علي
به نهدي إلى الحق الصراح

وبالحسن الزكي أبي محمد
أبو المهدي من فيه انشراحي

وبالمهدي إمام العصر حقًا
يقوم بإذن خلاق البطاح

كانت هذه الأناشيد تمثل تعليمًا حيًا للقيم الروحية والدينية والاجتماعية، حيث ينغرس في نفوس الأطفال الحب للنبي وآل بيته ، ويترسخ لديهم مفهوم المسؤولية والانتماء المجتمعي. وكان الترديد الجماعي لهذه الأناشيد وسيلة فعالة لتعميق الحفظ، كما أنها شجعت على الوحدة والتعاون بين الأطفال.

أما يوم الحريرة فقد كان يحمل طابعًا غذائيًا واحتفاليًا، حيث يقوم المعلم، وغالبًا تلك الطقوس للمعلمة، بتحضير طبق الحريرة للأطفال في إعداد وجبات رمزية من عيش وزيت وملح وفلفل وأدوات الطبخ، ويرتدون الملابس الجديدة، ثم يتجهون مع المعلمة إلى المساجد المجاورة مرددين أناشيد «المساية»، ويزورون المساجد واحدًا تلو الآخر، بداية من الأقرب إلى الأبعد، مظهرين فرحة الطفولة في الاحتفال بشهر رجب المبارك.

ويوم المحو كان مخصصًا لكتابة الآيات القرآنية والأدعية والأحراز الطاهرة باستخدام الماء والزعفران وماء الورد، وكان الأطفال يشربون بعض الماء أو يحتفظون به في المنزل للبركة. وقد كنت شخصيًا من ضمن الأطفال الذين جلسوا لحفظ هذه الأبيات والأناشيد، وكنت أستمتع بالطقوس التي جمعت بين التربية الدينية والنشاط الجماعي والتراث الشعبي، ما جعل الكتاتيب بيئة متكاملة للطفل في القطيف.

ولم يقتصر التعليم على الجانب التراثي فقط، لكنه شمل أيضًا الأدوات والطقوس اليومية، مثل طريقة كتابة الحروف بالأقلام التقليدية، واستخدام السبورة الخشبية الصغيرة، والتعلم من خلال السماع والتكرار، وهي طريقة تعكس البيئة التعليمية القديمة التي تربط بين المعرفة والفن الشعبي. كما أن الكتاتيب كانت بيئة اجتماعية، حيث يتعرف الطفل على زملائه ويشارك في طقوس جماعية، ما يعزز شعوره بالانتماء والتماسك الاجتماعي.