آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 9:49 ص

الإخوة أم الأصدقاء أم المتابعون في العالم الرقمي

المهندس أمير الصالح *

في زمن العولمة الثقافية وهوس التكسب الرقمي، هل روابط الأخوّة بين الإخوة أضحت تتلاشى برحيل الأب والأم «مؤسسي الأسرة»؟! هذا التساؤل يتبعه تساؤلات عدة، ومنها: ما دور رابطة الأخوّة في استقرار الأفراد وبالتالي المجتمعات أثناء وبعد رحيل الأبوان؟!

لعل البعض غير ملتفت لهكذا تساؤلات نظرًا لأنه لم يغترب أم لم يخرج من نطاق قريته ومدينته طوال حياته، ولم يخضع لتجارب اجتماعية معينة تصقله في هذا أو ذاك الجانب. ولذا لا يعطي ذاك الشخص لهكذا تساؤلات أي أهمية أو انتباه. ولكن بقراءة متأنية نستطيع أن نشخّص مصير مجتمعات كاملة بناءً على قراءة مشاهد جزئية صغيرة، لا سيما في زمن يعجّ بالسعي الدؤوب من قبل أفراد وعوائل عدة لتحسين دخلهم المادي والترفيهي والخدماتي دون أي توازن في الروابط.

وهذا المقال يعضد لجملة مقالات سابقة كُتبت في إطار تعزيز البناء الأسري الناضج، ليكون الإنسان الفرد والأسرة والمجتمع، وبالتالي الوطن، في وضع أكثر تحصينًا من الزلل والتهشيم والانفلات والانكسار والأمراض النفسية.

حوار

دور الإخوة لدى البعض آخذ في الانحسار بناءً على واقع المجتمعات الحديثة المعاصرة، لا سيما في ظل العولمة الرأسمالية وتغيرات مواقع طلب الرزق وتأليه المال وعبوديته لدى البعض، والاعتداد بالأرصدة البنكية للشخص، والاطمئنان إلى قوة الراتب ومتانة المنصب… إلخ؛ إلى جانب تخلّي البعض عن إحياء مفهوم الأخوّة في نفسه، وتنمّر البعض على إخوته عبر الاستبداد والتنمر والتفرعن على إخوته/أخواته، نظرًا لقوة بدنه واعتداده بكثرة أمواله وقوة سطوته وتمدد سلطته وتنوع علاقاته، والتفاف بعض المنافقين من حوله، وكثرة المطبلين من المرافقين له، أو تعدد ولائمه وسفراته مع من يوهمونه بأهميته لهم عبر تكاثر عدد متابعيه في تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي.

﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي [طه: الآية 31]

يرى العقلاء أن الإخوة يشكّلون سندًا نفسيًا يخفّف على الإنسان الضغوط المعيشية والعزلة الاجتماعية والروحية والنفسية.

البديل الأنفع لضعف الروابط الممتدة عموديًا بأفراد شجرة العائلة الكبيرة، لوجود تناثر جغرافي لهم، هو ترابط الإخوة وتواصلهم ومساندتهم، كبديل عملي عن الأسرة الكبيرة المترامية الأطراف، وصمام أمان لتنشيط دورة الحياة الاجتماعية.

قد يمر البعض من الناس في ضائقة مالية طارئة، وهنا لا محيص له سوى اللجوء بالاقتراض الحسن من الأقرب فالأقرب. والإخوة المقتدرون هم الأقرب؛ وحتما سيسهمون في احتواء الضغوط الاقتصادية على المبتلى من إخوته، وتقاسم الأعباء المعيشية معه حتى الخروج من عنق زجاجة ذاك الأمر الطارئ. وبذلك فإن وجود الأخوّة الصادقة بين الإخوة يحدّ من الاستجداء والاستجداء العاطفي للأشخاص الأباعد والأجانب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو انضمامه إلى أصدقاء السوء، وكذلك يحفظ الشخص من آثار التفكك الأسري واللامبالاة بالسمعة على الأفراد والعائلة، وتفادي أمراض الانطواء والاكتئاب والأفكار الوسواسية. فالروح تحب أن تُحاط بأرواح طيبة، بشوشة، متفائلة، ومساندة، ومخلصة، وصادقة. وأثبتت المدونات التاريخية أن الإخوة نعم العضد والسند لبعضهم البعض في مواجهة الكروب، ونعم العون على التصدي للانحرافات السلوكية والفكرية والعقدية، ودفع الشبهات، وحسم المواجهات، ومنع الاختراقات، ودفع شراء الذمم، والتحصين من الأوهام، وطرد أصحاب السوء، ونبذ أتباع الأفكار الإرهابية والمنحلة والشيطانية.

المتابعون الافتراضيون

وجود إخوة أوفياء وعلاقة متينة بينهم حتمًا سيعزّز الاستقرار العاطفي، ويحجب الإنسان السوي عن التفكير في البحث عن متابعين له في العالم الافتراضي، لا سيما في زمن سيطرة العالم الرقمي وتمدد العلاقات الافتراضية عبر المحيطات. نعم، الاطلاع المعرفي الناضج سيتيح للفرد فرصة التعرف على النبلاء وأهل المعرفة وكتّاب الرأي والأقلام النظيفة، وهذا أمر مشرّف ومحبّب للنفس.

أخ.. أخي.. أخيه

عند البحث في القرآن الكريم عن كلمة أخ تجد آيات عدة تتضمن كلمة أخ وأخي وأخيه. ولقد تفاجأت بكمية الآيات الكريمة التي اشتملت مفردة «أخ» ومشتقاتها؛ فوردت كلمة أخ وهي تتناول قصة هابيل وأخيه قابيل، وقصة موسى وأخيه هارون ، وقصة نبي الله يوسف وأخيه مع إخوتهم. والنتيجة أن أحسن نموذج لرابط الأخوّة هو نموذج قصة نبي الله موسى وأخيه هارون . ولعل أعظم قصة نجاح في إنشاء وتألق أمة الإسلام كانت مجسدة بالمؤاخاة والمؤازرة والتضحية، وذروتها كانت المؤاخاة بين نبي الله محمد ﷺ والإمام علي والافتداء بالروح، حتى انصهرت أنفسهم، فعبر القرآن عنها:

﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ [آل عمران: الآية 61].

فليحيِ كلٌّ منا ارتباطاته بإخوته وأخواته عبر: ترسيخ ثقافة الحوار، وحل الخلافات، وتجديد الأنشطة، ومنع القطيعة، وخذلان الشيطان ووساوسه؛ فإن ذاك يدعم التوازن النفسي في الأفراد والمجتمعات التي تعاني من ضغوط الحياة وتزايد منسوب القلق.

والأخوّة الصادقة تساهم في حفظ الهوية والانتماء والقيم أمام موجات التغريب والتغير الثقافي والنزاعات الفئوية. ومع تغذية هكذا محور أخوي من محاور العلاقات الإنسانية السامية، فحتما يومًا ما سيشكّلون نواة للمبادرات الأسرية والاجتماعية المشتركة لمجتمع أكثر ترابطًا وتلاحمًا ومودة. فشل الأخوّة تعني:

﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة: الآية 30].

ملخص الرسالة

أ - الأخوّة ممتدة ومتجذرة، وأما الأصدقاء والمتابعون الرقميون فهم أمر عارض ويمكن تعويضه حيثما شئت.

ب - الصداقة والمتابعة الرقمية أمر عرضي قابل للتذبذب بناءً على الترند، والتلاشي مع منحنيات الحياة أمر لا مفر منه. أما الأخوّة فإنها خُلقت مع الإنسان وهي ممتدة طول حياته، وشجرة إن تم الاعتناء بها فإنها تؤتي أكلها عبر الأجيال.

ج - عامة الأصدقاء والمتابعين الرقميين ليسوا شرطًا للبقاء؛ ولكن الأخوّة الصادقة عنوان عريض للمعاضدة والمساندة والمؤازرة، فلنهتم بإحيائها.