آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 11:02 ص

«فلينظر الإنسان إلى طعامه»

حسين مكي المحروس

سوف نتحدث في هذا المقال عن الطعام بشقيه؛ طعام المعدة وطعام العقل، وكيف أنه تم التلاعب بكليهما عالميًا. سنسلط الضوء على نقطة عمياء في اللاوعي الجمعي ساهمت في تبلور ”الإنسان المصطنع“ جسمًا وعقلًا، شكلًا وجوهرًا، معدةً وتفكيرًا. بالمناسبة، ما دمنا نتكلم عن نوعية الطعام، يجدر بنا أن نشيد بالسردية الجديدة التي أصدرتها بالأمس منظمة الصحة العالمية، وما ينصحون به الآن كهرم غذائي جديدٍ بعد التحديث. أكثر، يا صديقي، من تناول الخضروات ثم اللحوم والفواكه والدهون الصحية، وقلل من النشويات و«تقريبًا» ابتعد تمامًا عن السكريات.

يتسم عالم اليوم بالسرعة، لذا فهو يرزح تحت تبعات ”الطعام المصطنع“. من هنا أصبحت الدعوة إلى النظر بتأمل، والوقوف بعمق، على نوعية الطعام ومصادره وطريقة إنتاجه وتحضيره ضرورة وجودية ماسَّة، بعد أن كانت سابقًا مجرد مسألة صحية كمالية عابرة، من قبيل الرشاقة أو ”الترف الفكري“. بالإضافة إلى الطعام الذي يدخل المعدة، هناك البعد المعلوماتي بما يشتمل عليه من مجموع ما يُلقَّم به العقل الجمعي صباحًا ومساءً عبر السوشيال ميديا. وبين القوتين، يتخلق وعي الإنسان وإدراكه وتفهمه واستيعابه، أو إن شئت فقل: وبالمقابل لذلك تزداد أيضًا حيرته وضياعه. يصاحب كل ذلك، وبالتوازي، تعقيد الجانب الصحي والعقلي والروحي، وكل ما يرتبط بشؤون الحياة.

في العقود الأخيرة، تغيّر الطعام كليًّا في صورته ومضمونه كمًّا وكيفًا. بدأ بالخبز الذي لم يسلم، فهو لم يعد كما كان في السابق طبيعيًّا، بل أضحى خبزًا مصنَّعًا. خبز قد تمت ”هندسة التلاعب“ بقمحه، ففقد كل ما يرتبط بالخبز الطبيعي من طعم وفائدة. والأدهى والأمر أنه أضحى بلا ميزة صحية تذكر، وربما قد تحول إلى سمٍّ قاتلٍ؛ قاتلٍ ذي أثر بطيء، على غرار بطء التدخين. ”ومما يزيل القلب عن مستقره“ أن الدجاج لم ينج من شباك التصنيع، فأمسى يُنتَج بسرعة تفوق دورة حياته الطبيعية. أما الحليب، ذاك الزلال الأبيض الذي كنا نضرب به المثل في النقاء والعفوية، واقترن في أذهاننا بالكالسيوم والعظام والنمو والقوة، فلم يفلت من قبضة التحضير أيضًا. آفة الجشع والطمع وسرعة الإنتاج العالمية حكمت عليه أن يُعالَج ليستطيل عمره الافتراضي، بغض النظر عما قد يستلزم تبعا لذلك من تدن في قيمته الغذائية وفوائده الصحية. وبالنتيجة تمكن الإنسان المصطنع «بكسر النون» من إحراز زراعة مُسرَّعة، وإنتاج مكثف، وإضافات تُحسّن الشكل وتستغفل عمدًا جل الفوائد الصحية. الثمن الباهظ يتجلى في ازدياد مستويات الإرباك والخمول والكسل والمرض في بنية المستهلك. تدير الطرف فلا ترى إلا أجسامًا أقل صحة، وأمراضا أعمّ انتشارًا، وعيادات أكثر ازدحامًا، واضطرابات مجتمعية صامتة في تكدس مُطَّرِد مع الزمن.

لقد نادى الشرع المقدس حتى بحّ صوته أن: «المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء»، فرفقًا بالمعدة المسكينة. فهذه القارورة ما فتئت تستقبل غول التحوّل والتحور الجذري العالمي، والانحراف الغذائي الخطير. فهي بطبيعتها لم تميز يومًا بين طعام أُنتج بعناية، وآخر صُمِّم على عجل، مع كونها تسجّل وتختزن وتنفعل وتتمرض بالآثار المترتبة على الغذاء غير المجدي. ومع تكرار تناول الغذاء المصنّع، تمظهرت مشكلات الهضم، وارتفعت مؤشرات السكر والالتهابات والتعثرات الهضمية، وأصبح السقم حالة مجتمعية عامة. وبدلًا من أن نضع إصبعنا على جذور الخلل، صرنا نتسابق وراء إحصاء الأعراض وتشخيص الأمراض، من دون تفعيل العلاج الناجع لأصل المرض والخلل. متى نتوقف عن إدارة النتائج؟ فالوقت يتطلب معالجة الأسباب. دواء بعد دواء، ونظام غذائي بعد نظام، دونما مراجعة جذرية لما تحتويه أطباق طعامنا من أصناف وكميات.

ومع الوقت، بدأت تتشكّل دائرة مغلقة محكمة للاصطناع الإنساني. يعمل الفرد ليأكل، ويأكل فيمرض، فيضطر لأن يعمل أكثر ليعالج نفسه. هذه الدورة المتقنة من التلهي والانشغال بالنفس ليست وليدة المصادفة. قف وتأملها بتمعن، وستجد أنها مصداق لمسار اقتصادي قائم على الاستهلاك العبثي المستدام. يتحوّل الشخص فيه من محور المنظومة إلى مجرد أداة مستهلكة داخل ذات المنظومة نفسها.

غير أن الأخطر أن مفهوم التغذية نفسه قد توسّع. فكما تقتات المعدة، يتقوت العقل. وكما صنعنا الطعام، هيا بنا نصوغ العقل ونهندس طريقة تفكير المجتمع بنفس المنطق والأسلوب. قفزة التصنيع الذكية هذه تنقلنا من الحقول الزراعية إلى الشاشات المشعة. لم تعد المعلومة تُقدَّم للمتلقي حتى يستوعبها ويحللها بعمق ودقة وحيادية، ولا يُمنح له المجال لأن يتقبلها أو يرفضها. على النقيض من ذلك، إذ تمت صياغتها وتغليفها وتسويقها واصطناعها حتى يمكن هضمها واستهلاكها بسرعة في خضم هذا العالم المصطنع المتسارع. تجد الخبر مختصرا، والرأي جاهزًا، والمحتوى ممضوغا ومهضوما، وما عليك سوى البلع والتصديق والتبصيم والتصفيق. مواصفات الخبر المطلوبة أن يكون سهلًا، سريعًا، مثيرًا، مع ضرورة كونه مفتقرا لأي قيمة أو مصداقية.

السوشيال ميديا والإعلام العالمي لا يتركان للعقل وقتًا للهضم، فيُطلَب منك التفاعل قبل الفهم، والانفعال قبل التحقق. وكما امتلأت المعدة بما لا يُغذّي، بالمثل قد امتلأ الوعي الجمعي بما لا يفيد. والنتيجة عقل لفيفي مُرهَق، متقلب المزاج، سريع الانفعال، قليل التعمق، خاوي الوفاض، في خضم جيل من التائهين يردفون سيلًا من المشهورين والمؤثرين.

وعليه، فإن النظر إلى الطعام اليوم لم يعد خيارًا، بل هو مسؤولية مجتمعية. طعام المعدة يحتاج وعيًا بالمصدر والطريقة، تمامًا كما أن طعام العقل يحتاج وعيًا بالسياق والغاية. تذكر أن الجسد والعقل طرفان لمعادلة واحدة، إذا ما فسد أحدهما اختلّ الآخر بالتبع.

نختم فنقول: حين يُحسن الشخص اختيار ما يأكل وما يتلقى من معلومة، فإنه قد يستعيد شيئًا من توازنه. وحين يتبصر في طعامه - معدةً وعقلًا - يقترب خطوة أكثر من استعادة إنسانيته المصطنعة المسلوبة، في خضم عولمة تتقن الاصطناع أكثر مما تتقن الإنتاج.