آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 10:27 ص

نفط فنزويلا: من ”الفنزولة“ إلى ”الأمركة“

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال

اجتماع أوبك+ الذي عقد يوم 4 يناير 2026، أي بعد يوم من إطاحة الولايات المتحدة بالرئيس مادورو، كان اجتماعًا افتراضيًا سريعًا شاركت فيه ثماني دول رئيسية هي السعودية، روسيا، العراق، الإمارات، الكويت، كازاخستان، الجزائر، وعُمان، أكدت فيه الدول الثماني التزامها بقرار تعليق أي زيادات في الإنتاج خلال الربع الأول من 2026 بسبب انخفاض الطلب المتوقع في الشتاء بالنصف الشمالي من الكرة الأرضية حفاظًا على استقرار السوق، والالتزام بعقد اجتماعات شهرية لمراجعة أوضاع السوق والامتثال، والاجتماع القادم سيعقد في بداية فبراير 2026.

جاء الاجتماع، المجدول مسبقًا، في سياق انخفاض أسعار النفط بشكل كبير خلال 2025 «أكثر من 18 بالمائة» بسبب مخاوف من فائض في العرض العالمي، على الرغم من التوترات الجيوسياسية المستمرة، ولم يعلق الاجتماع الفني على الأوضاع العاصفة التي استجدت في فنزويلا، فقد كان قصيرًا «حوالي 10 دقائق» وركز فقط على تأكيد السياسة الحالية للإنتاج.

ومع ذلك، فالوضع في فنزويلا ما زال ضبابيًا حالكًا، ولا يزال مبكرًا تقييم تأثير الأحداث الدراماتيكية على الإمدادات، بما في ذلك اقتلاع الرئيس مادورو، فضلًا عن أن إنتاج فنزويلا حاليًا منخفض جدًا «حوالي 1 مائة فقط من الإنتاج العالمي»، والسوق العالمية مشبعة بالفعل، بما يعني أن إنتاج تلك الدولة الغنية بالاحتياطيات والفقيرة في الإنتاج لن يؤثر عمليًا على المعروض في السوق سواء هبط أو ارتفع، لكن يبدو أن الاهتمام الأوضح هو أمريكي بالضرورة، ولذا فقد دعا الرئيس الأمريكي على عجل لعقد اجتماع في البيت الأبيض لكبار شركات النفط الأمريكية للتباحث في رؤية الرئيس اتجاه نفط فنزويلا. وبالفعل عقد الاجتماع يوم الجمعة 10 يناير في البيت الأبيض برئاسة الرئيس ترامب، وبحضور شركات النفط الأمريكية الرئيسية، وتحديدًا مع الثلاث العاملة «شيفرون» أو التي كانت عاملة قبل التأميم «إكسون موبيل وكونيكو فيلبس» في فنزويلا، وكذلك بحضور شركات خدمات النفط.

فما أجندة الاجتماع؟

وفق ما نقلته الوكالات، كان على الأجندة أربع نقاط:

1. حث شركات النفط على تخصيص استثمارات بمليارات الدولارات لإصلاح وتحديث البنية التحتية النفطية المتهالكة.

2. التعرف على الدعم المحتمل من الحكومة الأمريكية، مثل سداد تكاليف الشركات «من الخزانة أو تقاسم الإيرادات من مبيعات النفط».

3. التعويض عن الأصول التي سبق أن أممتها حكومة مادورو، والضمانات الأمنية لعمليات الشركات الأمريكية فيما إذا دخلت.

4. تخفيف المخاطر: الاستقرار السياسي، والأطر القانونية، وسلامة الموظفين، وضمانات الاستثمار، والجدوى الاقتصادية.

فكيف كان اجتماع الأمس في البيت الأبيض بين الرئيس ترامب وشركات النفط الكبرى؟ تفاوتت مواقف الشركات، أما الرئيس ترامب فقد كان مصرًا على تحقيق النقطة الأولى، قائلًا للحضور: ”من لا يرغب في الدخول، ليخبرني بذلك، فلدي 25 شخصًا غير موجودين هنا اليوم مستعدين لأخذ مكانكم“. وللدلالة على تباين مواقف الشركات الكبيرة، فأشد المتحمسين كانت شركة شيفرون، التي أعلنت أنها قادرة على زيادة إنتاجها بنسبة 50 بالمائة خلال 18 إلى 24 شهرًا عبر توسيع عملياتها الحالية، التي تضخ حوالي 240 ألف برميل يوميًا. وأكد الرئيس التنفيذي لشركة شل إن لدى الشركة ”فرصًا استثمارية بمليارات الدولارات“، رهنًا بموافقة الولايات المتحدة على تخفيف العقوبات المفروضة عليها، وأضاف: ”نحن على أتم الاستعداد“. وعلى النقيض من موقفيهما، قال رئيس شركة إكسون موبيل إن قطاع النفط الفنزويلي بوضعه الحالي ”غير قابل للاستثمار فيه“، وقد أسهب رئيس الشركة في تعداد الأسباب، وذكر بأن استثمارات الشركة أُمِّمت مرتين منذ الأربعينيات.

يبدو أن شيفرون، بطبيعة تواجدها على الأرض، هي الأكثر حماسًا لتوسيع أعمالها والاستفادة من الفرصة السانحة لها لزيادة إنتاجها بتعزيز تواجدها وضخ المزيد من الاستثمارات. وهي تخاطر لا شك، لكنها قد تكون الرابح الأكبر مما يحدث في قطاع النفط الفنزويلي بعد استيلاء أمريكا على نفط فنزويلا. من منظوري، فقد كان الاجتماع أقرب ما يكون إلى تَحَلّق ”السِباع“ لاقتسام غنيمة، ولا ننسى أن الرئيس الأمريكي يسميها الصفقة العظيمة «The Great Deal».

وعند التمعن فيما قاله الرئيس التنفيذي لشركة إكسون موبيل، فيتأكد أن كان هناك شد وجذب وتصارع وتقارع للسيطرة على نفط فنزويلا، يمكن تلخيصه في أن فنزويلا بدأت مبكرًا بخطوات سيادية تمثلت في قانون الهيدروكربونات لعام 1943، الذي وضع أسس الرقابة الوطنية وزيادة حصة الدولة من العوائد، تلا ذلك تأميم قطاع الغاز الطبيعي في عام 1971 كأول خطوة تأميم مباشر. ووصلت هذه العملية إلى ذروتها في عام 1975 بصدور قانون التأميم الشامل الذي دخل حيز التنفيذ مطلع عام 1976، بأن نُقلت أصول الشركات الأجنبية إلى شركة النفط الوطنية الفنزويلية «PDVSA». ومع وصول الرئيس هوغو تشافيز إلى السلطة، دخلت فنزويلا مرحلة «السيادة النفطية» التي عززت السيطرة الكاملة للدولة على القطاع وأعادت هيكلة المشاريع المشتركة وتوجيه العوائد نحو البرامج الاجتماعية. وفي عهد الرئيس نيكولاس مادورو، استمر هذا النهج التأميمي من خلال تشديد قبضة الدولة على شركة النفط الوطنية الفنزويلية ورفض الخصخصة، مع السعي في الوقت نفسه إلى إدارة تداعيات الأزمة الاقتصادية والعقوبات الدولية عبر ترتيبات محدودة مع شركاء أجانب دون التخلي عن المبدأ الأساسي المتمثل في ملكية الدولة للموارد النفطية، ثم انتهى الأمر كما شهد العالم وسمع.

وهكذا، فإن ما نراه هو أقرب ما يكون إلى أخذٍ بالثأر مضاعفًا، وعكس قيدٍ من ”فنزولة“ إلى ”أمركة“، مرةً ثانية، لقطاع النفط الفنزويلي، ويطلب الرئيس ترامب من شركات النفط ضخ 100 مليار دولار لتحقيق ذلك. لماذا ”ثأر“؟ حتى منتصف السبعينيات كانت الشركات الأمريكية تمتلك حقولًا ومنشآت تكرير وبنية تحتية ضخمة بموجب نظام ”الامتيازات“، لكن في العام 1976 فُقِدت هذه الملكية بالكامل وانتقلت إلى الدولة الفنزويلية. ورغم دفع تعويضات حينها، إلا أنها لم تعوض الشركات عن الأرباح المستقبلية التي كانت تتوقع جنيها من تلك الموارد، فبعد التأميم لم يعد يُسمح للشركات الأمريكية بالعمل بشكل مستقل، بل أُجبرت الاستثمارات الجديدة «في التسعينيات وما بعدها» على الدخول في ”شركات مختلطة“ تكون فيها شركة النفط الوطنية الفنزويلية هي صاحب حصة الأغلبية «60 بالمائة أو أعلى». وتفاقم الوضع في عهد الرئيس تشافيز، في العام 2007 تحديدًا، عندما رفع درجة التأميم لتشمل مشاريع الحزام النفطي في ”أورينوكو“، إثر ذلك رفضت شركات، أهمها إكسون موبيل وكونوكو فيليبس، الشروط الجديدة، ما أدى إلى مصادرة أصولها بالكامل دون اتفاق على التعويض. نتج عن ذلك قضايا تحكيم دولي استمرت لسنوات أمام المحاكم، حيث طالبت الشركات بمليارات الدولارات كتعويض عن استثماراتها، وها قد حانت فرصتها.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى