آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 9:49 ص

لا تقصص

رائدة السبع * صحيفة اليوم

يقول أدهم شرقاوي، والعهدة على محرك البحث:

«أحب مساحتي الخاصة، أحب حدودي التي أصنعها، أحب الأشياء التي لا يعرفها أحد عني، أحب خصوصيتي مع نفسي وعدم وصول أي شخص لها مهما ظن أنه وصل.»

لم تمر هذه الجملة مرور الكرام، خاصة في عالم تتسارع فيه اللحظات، حيث تُعرض كل تفاصيل حياتنا على وسائل التواصل في ثوانٍ، ويغري البعض بالكشف المستمر والمشاركة اللامحدودة. كل لحظة نحتفظ بها لأنفسنا هي مساحة مقدسة، فرح خفي لا يحتاج جمهورًا، سعادة تُختبر في صمت بعيدًا عن أعين الآخرين. هنا تبدأ الحقيقة: الخصوصية هي ملاذ السعادة.

«إن وسائل التواصل الاجتماعي، كما يقول غاري شتينغارت، قد توهمك في لحظة طيش بأن الخصوصية ليست مهمة!» تصف هذه العبارة صراعًا يوميًا نعيشه بين رغبتنا في الظهور وحقنا في الاحتفاظ بالسرية. كل لحظة نختار فيها عدم الكشف عن شيء هي لحظة نحتفظ فيها بالحرية، نغذي استقلاليتنا، ونمنح أنفسنا فرصة للرضا الداخلي بعيدًا عن تقييم الآخرين.

الخصوصية ليست الانعزال، بل هي اختيار دقيق للحظات المشاركة. نضحك مع من نحب، نشارك بعض التفاصيل، ونحتفظ بالباقي لأنفسنا. هذا التوازن بين ما نكشفه وما نحفظه يخلق شعورًا بالسيطرة على الذات، ويمنح السعادة عمقًا لا يستطيع العالم الخارجي تكراره أو قياسه.

الأمثلة اليومية بسيطة لكنها قوية: ضحكة سرية مع صديق، لحظة تأمل في الصباح، قراءة كتاب في زاوية هادئة، والكثير من الأسرار الصغيرة التي تُشكل نسيجًا من الفرح الخفي، فرحًا لا يُعرض ولا يُقاس بالمعايير الاجتماعية، لكنه يبقى مستمرًا ودائمًا في القلب.

في عالم يمجد المشاركة المستمرة ويحتفي بكل تفاصيل حياتنا على الملأ، تذكّر: ليس كل فرح يجب أن يُروى. أحيانًا، السعادة الحقيقية تختبئ في الظل، في اللحظات الصغيرة التي نحتفظ بها لأنفسنا. «لا تقصص» - دع لنفسك مساحة سرية للبهجة، فقد تجد فيها أكثر لحظاتك سعادة واستقرارًا -.

ونحن نرسم حدودنا بحكمة، لنكتشف أن اللباقة هي معرفتنا إلى أي حدٍّ نذهب حين نتجاوز الحدود. - جان كوكتو -. والآن عزيزي القارئ، كيف تصنع لنفسك مساحة لا يصلها أحد؟