رسالة إلى كل من تقلّد منصبًا
قد نشاهد كل يوم في حياتنا أمورًا قد تهز الوجدان، وتؤلم أيما إيلامًا. أحيانًا لا تكون المشاهد عابرة، وإنما تكون لحظات إنسانية ثقيلة، تترك في القلب ندبة لا تزول بسهولة. قد نرى في مجمل أيامنا من يبكي بحرقة، بكاء مرًّا، بكاء قهر، تلك دموعه ليست دموع ضعف، وإنما دموع قد تصرخ أكثر مما يفعل الصوت. قد نشعر أن المكان والأركان ترتج لذلك البكاء، وكأن الجدران في تلك اللحظة شعرت بثقل الظلم الواقع عليها.
الألم لا يكون في الدموع وحدها، وإنما في ذلك الشعور القاسي الذي ينهش الروح: عندما تُظلم، ثم لا تجد من يسمعك، ولا من يهوّن عليك، ولا من يحاول حتى أن يفهمك. أن تُكسر أمام الناس، وأنت عاجز عن الدفاع عن نفسك، لأن الظلم جاءك ممن يملك السلطة، ممن يفترض به أن يكون عادلًا، لا جلادًا.
الموظف الذي يقف أمامك ليس رقمًا، ولا ملفًا، ولا مجرد اسم في كشف الحضور والانصراف، بل إنسان يحمل همومًا، ومسؤوليات، وقلقًا، وربما بيتًا ينتظر راتبه، وقلبًا يتعب من الخوف.
يا له من ألم عظيم، ألم القهر حين يأتي من موقعِ قوة، وألم الانكسار حين يُساء استخدام المنصب. فالظلم حين يصدر من مسؤول لا يكون مجرد خطأ إداري، بل جرحًا إنسانيًا عميقًا، لأن الكلمة الجارحة حين تصدر ممن يملك القرار تكون أثقل، والفعل الظالم حين يأتي ممن بيده السلطة يكون أوجع.
وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه بمرارة: لماذا يحدث كل هذا؟ لماذا ينسى بعض من تقلدوا المناصب أنهم بشر قبل أن يكونوا مسؤولين؟ لماذا يتوهمون أن الكرسي يمنحهم حق الإيذاء، أو يبيح لهم كسر الخواطر، أو يشرعن الظلم باسم النظام والعمل؟
لماذا، يا من تتقلدون المناصب، تقسون على موظفيكم كل هذه القسوة؟
لماذا تُغلق أبواب الإنصاف، وتغيب لغة الحوار، ويستبدل الإنصاف بالتسلط؟
أيعجز المنصب أن يجتمع فيه الحزم والإنسانية؟
يا من تتقلدون المناصب، تذكروا جيدًا أن المناصب زائلة، وأن الكراسي لا تدوم، وأن السلطة مهما طالت فهي إلى زوال. أنتم زائلون كما هي زائلة، والعبرة دائمًا ليست بالبقاء المؤقت، بل بالخاتمة. فالمنصب لا يرفع قدر الإنسان إن لم يرفعه عدله، ولا يحميه إن لم تحمه إنسانيته.
تذكروا أن هناك يومًا سيأتي وستغادر فيه موقعك، ويُغلق المكتب، ويُطوى الاسم من على الباب، لكن ما زرعته في قلوب الناس سيبقى. فإما دعوة صادقة بالخير، أو دعوة مظلوم لا تنام.
إن أعظم ما يملكه المسؤول ليس توقيعه ولا صوته ولا سلطته، بل قدرته على أن يكون عادلًا. فالعدل هو الذي يمنح المنصب قيمته، والرحمة هي التي تحفظ للإنسان إنسانيته.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا في ضمير كل مسؤول:
هل تريد أن تغادر مكانك يومًا ما وقد تركت أثرًا طيبًا، وذكرى عادلة، وقلوبًا راضية؟
أم تريد أن ترحل ويُغلق الباب خلفك، لكن تبقى آثار ظلمك مفتوحة في نفوس من كسرتهم؟
ما أقسى أن ينام المسؤول، قرير العين، وهناك مظلوم يسهر الليل باكيًا بسببه. وما أخطر أن يُستهان بدعوة المظلوم، وهي التي لا حجاب بينها وبين السماء. فالعدالة قد تتأخر، لكنها لا تغيب، والحقوق قد تُهمَل زمنًا، لكنها لا تضيع.
فالخيار دائمًا بيدك، والإنسانية هي الفيصل.
















