آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 11:02 ص

الأقنعة والسقوط المُدوي

سوزان آل حمود *

وراء كل صورة مثالية، قد يكمن عمل فني من الخداع المتقن. وليست الصدمة في السقوط، بل في هشاشة المادة التي صُنعت منها الأقنعة. هذه ليست مجرد حكاية، بل هي تشريح ماكر لانزلاق زوجة نحو غايتها، مستغلةً نبل المشهد وضعف البطل.

دخلت حياته كـ ”هدية إلهية“، فتاة تُجيد فن الاصطياد الاجتماعي ببراعة. كان زوجها يُعاني من فقر الدم، ليس مجرد علة جسدية، بل رمزًا لضعف مرئي يمكن استغلاله. هي المحكمة التخطيط، لم تُضيّع وقتها، تزيّنت أمام والدته، نسجت حولها هالة الوداعة والاهتمام المُفرط، لتُصبح ”ابنة القلب“ التي طالما حلمت بها الأم. كانت صفقة مُحكمة الإغلاق: زواج يعني جسرًا ماليًا لا يُعوَّض.

كانت تُظهر أنها نِعم السند لمرضه، تُغدق حنانًا مصطنعًا، لكن تحت هذه القشرة اللامعة، كان يغلي طمعٌ بارد وحقد دفين على دفء عائلة لم تستطع يومًا اختراقه بصدق. هنا يتردد صدى الغيرة التي تسبق الشرور، كما قال تعالى على لسان إخوة يوسف:

﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [يوسف: 8].

ما أخفته لم يكن مجرد ”اضطراب الشخصية الحدية“، بل كانت استراتيجية تكتيكية. هي لا تخشى وصم المجتمع، بل تخشى فشل ”العملية الكبرى“. هذه الصفقة يجب أن تظل نظيفة ومُربحة. لذا، اتخذت خطوة أكثر جرأة وخبثًا: موانع الحمل دون علمه. ضمان ألا يربطها به أي رابط عاطفي أو عائلي، فقط خط سحب نقدي.

لم تكتفِ بهذا الجفاء، بل بدأت بتخريب منهجي للحياة المشتركة: إهمال علاج الزوج «فقر الدم يجعله أكثر هشاشة»، وإهمال البيت، والأخطر: حياكة شبكة أكاذيب مُتقنة حول الزوج أمام أهلها، مُستغلةً سلاطة لسانها التي أرهقت حتى المقربين منها، فلم يجرؤ أحد على إيقاف هذا العبث المُتعمّد.

التشريح النفسي والتخطيط البارد كانت تروّج لافتراءات لا أساس لها من الصحة. هي تُثبت يومًا بعد يوم أن الكذب ليس مجرد خطأ، بل قد يكون خيارًا وجوديًا، وكأنها تمثّل الآية:

﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا [النساء: 50].

القناع اللامع له تاريخ انتهاء صلاحية.

عندما سقط، لم يكشف عن عيوب بسيطة، بل عن وحشية الأنياب.

بدأت هجماتها الشرسة والمباشرة على عائلة الزوج، مُعلنةً بداية حرب نفسية لم يكن يتوقعها أحد. لم يكن ما حدث مجرد خلاف، بل تدمير ذاتي كشف عن شخصية لا تحمل سوى الكراهية والجشع.

لكنّ ”الحق لا يُعدم“. بعد أشهر من الطلاق، شاءت الأقدار أن تلتحق بعمل جديد. كان القدر بمثابة ”المرحلة الثانية لكشف المستور“. لم يلبث القناع أن سقط من جديد أمام زملاء العمل والمسؤولين. نفروا منها، وبدأت حياتها تتهاوى كأحجار الدومينو.

هنا، تذكرت ملجأها القديم، وحاولت العودة بذل واستجداء، لاسيما بعد تخلي الجميع عنها. لكن الزوج، الذي اكتمل شفاء روحه قبل جسده، كان قد رأى العدل الإلهي يتجلّى أمامه: لقد كافأه الله بزوجة صالحة تفوقها مقامًا وجمالًا ووعيًا، وحياة كريمة ملؤها الاستقرار.

رفض الزوج عودتها بشدة، مدركًا أن الله قد أنجاه من ”مصيدة مُعدّة بإتقان“. هي تلقت جزاءً وفاقًا على ما اقترفت يداها، وتأكد أن أقنعة الظلم، مهما طالت، لا بد أن تسقط. وتظل العبرة الأخيرة من القرآن الكريم تُرشدنا:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ [إبراهيم: 42].