آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 11:02 ص

منهج وقائي في زمن الضجيج

ورد عن الإمام علي : «عوِّد أُذُنَك حسن الاستماع، ولا تُصغِ إلى ما لا يزيدك عن صلاحك استماعه؛ فإن ذلك يُصدي القلوب ويوجب المذامّ» [غرر الحكم، ج 2، ص 492].

حكمة صيغت بأحرف ذهبية تمثّل وثيقة أخلاقية تحرس الوعي الإنساني من السقوط في ميدان الخطايا والاشتباهات ومنطقة الضياع والفراغ، فالمنهج المتكامل لتهذيب النفس يهدف إلى ضبط عمل جوارح الإنسان وحواسه بعيدًا عن اللامبالاة أو السير الأعمى خلف الغرائز والشهوات المتفلّتة، فهناك من يتوهّم أن مسؤوليته تقتصر على ما يصدر منه من كلمات تمسّ الواقع الاجتماعي وما يخصّ أسرار الآخرين وأعراضهم، غافلًا عن أن الأُذُن تمثل بوابة وقناة أخرى تحمّله مسؤولية ما يتناهى إلى مسامعه من كلمات، فالغيبة مثلًا يشترك فيها طرف يُلقي الكلام حول عيوب الغير وطرف آخر يستمع ويصغي إليه بشغف؛ طلبًا وتلهّفًا لانكشاف عورات الآخرين وأسرار بيوتهم، ويصبّ اهتمامه بالانشغال بأدق التفاصيل والأخبار التي تخصّهم، ولكن أمير المؤمنين ينبّه إلى أهمية ومسؤولية الاستماع فيما يصله من كلمات قد تورده طريق الهدى والصلاح والفائدة أو ترديه في طريق الهلكة والخسارة والتصلّب في وجه الحق والنفرة منه، فيضع الإنسان أمام مسؤوليته في اختيار ما يدخل إلى عقله وقلبه عبر قناة السمع تمامًا كما هو مسؤول عن التلفّظ بها.

فالأُذُن قناة لا تقل في مسؤوليتها وخطورتها عن اللسان ومدى تأثيرها على الإنسان وميزان أعماله في صحيفته، فالكلمة المسموعة قد تتحوّل إلى فكرة، والفكرة إلى قناعة، والقناعة إلى سلوك، ولذا كان التحذير من الإصغاء إلى ما لا يحمل نفعًا إصلاحيًا؛ لأنّ كثرة الاستماع إلى اللغو والكلام الباطل تملأ القلب بالضجيج وتُضعف قدرته على التمييز بين الحق والزيف، بعد أن يستمرئ ويعتاد على الاستماع إلى الخوض الباطل ويصبح سلوكًا مستدامًا عنده.

الألق والتكامل في شخصية الإنسان يشمل جميع الأبعاد الأخلاقية والاجتماعية والمعرفية، ولذلك فإن جارحة السمع «الأُذُن» تمثل بابًا ونافذة نحو العقل والنفس في تصوّراته وما يُبتنى عليه من أحكام ومسار علاقاته، والإصغاء لما لا ينفع لا يعني فقط الاستماع إلى الحرام، بل يشمل أيضًا الانشغال بما هو فارغ من القيمة، ويستهلك طاقة الإنسان النفسية والأوقات دون أن يثمر وعيًا أو عملًا صالحًا.

ويشبّه الإمام أثر الإصغاء غير النافع بصدأ الحديد، وهو تشبيه بالغ الدقة، فالصدأ لا يظهر فجأة، بل يتراكم تدريجيًا حتى يفقد المعدن بريقه وقوّته، وكذلك القلب؛ فإنّه إذا اعتاد سماع الكلام الفارغ أو المثبط أو المحرّض على الرذيلة تراكم عليه أثر ذلك حتى يفقد صفاءه ونوره ويُضعف إحساسه بالحق، وحينها يصبح القلب ثقيلًا عن ذكر الله تعالى وعن محراب الطاعة، كما تتبلّد نفسه تجاه الموعظة والنصيحة والامتثال لها، ويقلّ تدريجيًا تأثره بالقيم السامية والعمل بها.

ويختم الإمام بالإشارة إلى الآثار السيئة للاستماع الفارغ بأنه يوجب المذامّ، أي يجرّ الإنسان إلى مواطن الذمّ والعيب، فالاستماع لما لا ينفع قد يقود إلى الغيبة أو إشاعة الفتن أو الانخراط في ثقافة الاستهزاء والسخرية، ومع الوقت تتحوّل هذه الحالة إلى سلوك اجتماعي يُضعف مكانة الإنسان الأخلاقية ويُشوّه صورته أمام الله تعالى والناس.