آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 11:02 ص

النسر الملكي… ودروس العظمة

رضي منصور العسيف *

كنتُ في زيارةٍ لأحد الإخوة، وجلستُ في مجلسه المتواضع، لكن بصري تعلّق بمشهدٍ لم تستطع روحي تجاوزه؛ صورة نسرٍ ملكي يعتلي قمة جبل، ثابت النظرة، شامخ الوقفة، كأن عينيه تخترقان أفقًا لا نراه. كرّرت النظر مرارًا… وكلّ مرة كنت أخرج بمعنى جديد.

قلتُ في نفسي: هذا النسر لم يولد عظيمًا فحسب، بل اختار العظمة طريقًا ومسارًا.

قلت لصديقي:

أراك معجبًا بالنسر.

فأجابني: نعم يا صديقي،

فالنسور رمزًا للقوة والحرية، لذلك تراها شعارًا على صدور الضباط وعلى مكاتب القادة وصوَر الشخصيات المؤثرة؛ ليس مظهرًا فقط، بل إشارة إلى صفاتٍ عظيمة تستحق أن نتعلّمها ونعيشها.

فالنسور تمنحنا دروسًا في الحياة تفوق ما نتخيله،

ففي ملامحه ثلاث صفات لا تُخطئها عين:

القوة… الرؤية… والتحليق.

فلماذا لا نُغرس هذه الصفات في ذواتنا كما غُرست فيه؟

1. القوة الحقيقية

القوة ليست عضلاتٍ مفتولة، ولا صوتًا مرتفعًا…

القوة علمٌ يضيء، خُلُقٌ يسمو، وفكرٌ يفتح الأبواب المغلقة.

من لا يمتلك هذه القوة سيظل تائهًا في غابة الحياة؛ تلتهمه الظروف قبل أن يحقق شيئًا.

فإن لم تكن قويًا، فلن تجد لك موضعًا في ركب العظماء.

وقد ورد عن الإمام الصادق ما يبيّن أن القوة في جوهرها قلبٌ حيّ وإرادة ثابتة لا مظهرٌ جسديّ:

«إن قوة المؤمن في قلبه، ألا ترون أنكم تجدونه ضعيف البدن نحيف الجسم وهو يقوم الليل ويصوم النهار.» [1] 

والقوة تنشأ من العمل المستمر والدؤوب، أما الكسل والتراخي والتملّص من أداء المهام فيورث الخمول والضعف في روح الإنسان، ولهذا المعنى أشار أمير المؤمنين :

«من يعمل يزدد قوّة، ومن يقصر في العمل يزدد فترة.» [2] 

2. الرؤية الثاقبة

النسر يطير عاليًا، بعيدًا، لكن عينه لا تخطئ هدفها الصغير على الأرض؛

عيونه صغيرة… لكنها أقوى من أعيننا جميعًا.

وهنا الرسالة: كن صاحب رؤية نافذة.

انظر إلى الحدث… وما بعد الحدث.

لا تحبس نفسك في ضيق اللحظة، بل ارفع رأسك، واسعَ لما وراء الحدود.

ولأن البصيرة أعمق من مجرد النظر، ورد عن أمير المؤمنين :

«فإنما البصير من سمع فتفكر، ونظر فأبصر، وانتفع بالعبر، ثم سلك جددا واضحا يتجنب فيه الصرعة في المهاوي.» [3] 

3. التحليق نحو المعالي

التحليق ليس جناحين فحسب… بل روحًا لا تعرف السكون.

من أراد العظمة فلا يقف، لا يستسلم، لا يتراجع.

افتح أجنحة روحك، وارتفع… ثم ارتفع… ثم ارتفع.

فالعظمة تبدأ من الهمّة، وقد لخّص أمير المؤمنين هذا الجوهر بقوله:

«قَدْرُ الرَّجُلِ على قَدْرِ هِمَّتِهِ» [4] 

العظيم لا يستريح، بل يعيش في حركةٍ دائمة،

يعمل بحب، ويصبر بعزم، ويجتهد بإخلاص… حتى يعلو.

في الختام

فلتكن قويًا بعلمك… نبيلًا بخُلُقك… نافذًا ببصيرتك… منطلقًا بروحك.

فالعظمة ليست حلمًا بعيدًا…

إنما هي رحلة يبدأها من قرر أن يحلّق.

[1]  تحف العقول

[2]  غرر الحكم

[3]  ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 1 - ص 266

[4]  نهج البلاغة، الحكمة 47
كاتب وأخصائي تغذية- القطيف