آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 9:49 ص

رسالة إلى النبي عيسى «عليه السّلام»

عبد الله حسين اليوسف

السلام عليك يا روح الله، ويا كلمة الله التي ألقاها إلى مريم الطاهرة، السلام عليك في هذا العام الجديد الذي تتجدد فيه ذكرى ميلادك ومعجزاتك التي لا تزال تلهب القلوب، وتبث في النفوس الإيمان والرجاء.

مع كل عام ميلادي جديد تبدأ الاحتفالات وانتظار دخول السنة في كل بلد حسب توقيتها الزمني، ومع بداية العام الجديد 2026 م الذي يعلن عن انتهاء عام 2025 م، الذي مر بصعوبة وبالأحداث الكثيرة من أفراح وأحزان ومآسٍ عامة وخاصة؛ كان العالم الإسلامي صاحب النسبة الأكبر من تلك الأحداث، وكأن الشعوب الأخرى جالسة في مدرجات ملعبٍ كبير، يرون فيه عن بُعد وقُرب حسب موقع الجلوس، وهناك من يشجع ويدعم ويشعل فتيل الخلافات، والبعض ممن لا ناقة له ولا جمل فيها يهرج ويصب البنزين على النار، أو يرمي كلامه وينشر الإشاعات، وإذا فتحت ”اليوتيوب“ سترى الصراع والقنوات الفضائية ومن يحلل ويطرح رأيه هنا وهناك.

مع مرور الأيام، يعاود المسلمون والمسيحيون في كل عام البحث في سيرة حياتك المباركة، وتذكر المعجزات التي أكرمك الله بها، ومنها ولادتك بلا أب، تلك المعجزة التي أكدت قدرة الله المطلقة في خلقه. نذكر كيف صبرت السيدة مريم ، وكيف كانت مؤمنة صادقة فيما يحيط بها من صعوبات، وكيف تحدث المولود وهي تحمله وتقدمه كشاهد إثبات للقوم، وليؤكد للعالم أجمع أنه معجزة إلهية تحمل في طياتها رسالة حب وسلام.

كما نذكر في هذا اليوم كيف كان النبي زكريا يكدح في خدمة المعبد، وكيف كان يواجه صعوبة طلب الذرية، حتى إن الله رزقه بالنبي يحيى ، ونستلهم من صبره ورجائه في الله كيفية التعامل مع تحديات الحياة.

ونستحضر كيف تحققت رعاية السيدة مريم ، إذ أجروا القرعة، وهنا تدخلت الرعاية الإلهية بقبول زكريا كافلاً لها، فكان مسؤولًا عن الرعاية والاهتمام بالسيدة مريم ، وكلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقًا، وكان يردد: ”إن الله أعلم بحالي، يغنيني عن سؤالي“.

وقصة وسيرة النبي يحيى ، الذي يُعَدُّ شهيدًا، إذ قُطع رأسه وقُدِّم إلى الحاكم الظالم من أجل نزوة وشهوة محرمة لم يقرها النبي يحيى ، وراح لتطبيق الشريعة ولم يخضع للإغراء والترهيب، بل صمد حتى قُتل.

أما دور النبي عيسى ، الذي أخذ الأرض طولًا وعرضًا وهو يدعو إلى المحبة والسلام، وأن تؤمن بالله وحده لا شريك له، وقام مع الحواريين بتطبيق عملي وتدريب وإرشاد؛ حتى يصنع منهم من يؤمن بتعليمه ويخلفه في قومه بعد رحيله.

والقرآن الكريم خلّد القصة وما جرى على السيدة مريم والنبي عيسى والنبي زكريا والنبي يحيى في آيات قرآنية وسور تتلى ليلًا ونهارًا، كما سمّى سورة في القرآن الكريم باسم السيدة مريم.

ولهذا نوجّه هذه الرسالة إلى النبي عيسى ، الذي يعد ظهوره من علامات يوم القيامة، وننتظر صلاته خلف مهدي هذه الأمة الذي بشر به النبي ﷺ في أحاديث كثيرة، والقرآن الكريم ذكر أن الأرض يرثها الصالحون ليُطبّق عدل السماء والمحبة، وينزع الشر ويعم الخير في الأرض.

﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء - 105]

ونطلب من النبي عيسى ، الذي رُفع إلى السماء بأمر الله، وشُبِّه للقوم أنه قُتل وصُلب، وأصبح الصليب رمزًا للظلم وما حل بمن قُتل بديلًا عنه.

وكما أن الله نجاك وحفظك عنده وادخرك لآخر الزمان لتنزل وتصلي خلف الإمام المهدي «عجل الله فرجه»، وقد اختلف الناس: هل مِتَّ بعد ذلك أم تعيش حتى تاريخ خروجك؟ ليكون لك حضور آخر الزمان لنشر تعاليمك ومحبتك، وتقتدي بما يأمرك به الإمام.

ولهذا ارفع كفيك واطلب من الله تعجيل خروج مهدينا وخروجك، لإنهاء معاناة الأرض من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وسلب كل ما يملك، ومن ينشر الشر ولا يرضى إلا أن يرى التمزق وسلب راحة البال، ولا يرى نعمة عند قوم أو فئة حتى يسدد سهم الغدر والخيانة، وكأنه جُعل وصيًا على الأمة، حتى إبليس يتعلم منه الحيلة والخداع، ويجلس على دكة الاحتياط، ويرى كيف تصارع الخصوم بعضها.

وكلما سمعنا ما أمدك الله به من معجزات وكرامات، تلك التي يصعب التصديق بها بعد أن جعل العلم والمعرفة رهن التجربة في المعمل، وليس هناك أحداث خارقة للعادة، فمن رأى أو سمع بمعجزاتك التي أمدك الله بها جعلك ابنًا لله.

ولن يستقيم أمر الكرة الأرضية وتطبيق العدل والمساواة ونشر المحبة إلا بظهوركم، واتحاد الراية خلف قيادة الإمام المهدي ، ولنا في وجاهتك ومحبتك رجاء كبير بأن تسمع وترى حالنا، وكذلك الإمام الغائب عن أنظارنا شخصًا وليس عنوانًا، وعلينا أن نتحلى بالصبر الصعب والمُرّ بالانتظار والدعاء والصدقة، والسير على خطى محمد وآل محمد، وما ورد من تعاليم في القرآن الكريم، وندعو الله كما ذكرت الآيات القرآنية:

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [النحل - 125]

وإعمار الأرض بما يجعل الحياة أكثر إشراقًا وسعادة ومحبة وأمنًا من كل الشرور، بتهيئة أنفسنا والأجيال القادمة.

﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ [هود - 61]

في هذا العام الجديد، نتوجه إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء أن يعجل الله بظهور الإمام المهدي ، وأن ينقلب حال الأرض من الظلم إلى العدل، ومن الفساد إلى الإصلاح، وأن يجنبنا شرور البشر وأطماعهم، وأن يرحمنا برحمته ويهدينا إلى طريق الحق والصلاح.

وختامًا، نرفع أكفنا إلى السماء بالدعاء لله تعالى أن يعمّ الأرض بالسلام، وأن يجعلنا من أهل العمل الصالح والمتمسكين بتعاليم القرآن الكريم، وبما تعلمناه من سيرتك، وأن يرزقنا الصبر على البلاء، ويجعلنا من الذين يمرون على هذه الحياة برحمة ومحبة وعدل، لعلنا نكون من المفلحين.

والسلام عليك يوم ولدت ويوم تموت ويوم تبعث حيًّا.