آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 11:02 ص

ودع عامك ولكن حافظ على ذاتك

علي حسن آل ثاني

تمر الأيام والسنوات مثل نهر جارٍ لا يتوقف، تعبر بنا وتترك أثرها فينا، وتنساب حولنا. نشهد خلالها فرحًا يضيء قلوبنا، وأحزانًا تمس أعماق وجداننا، ولحظات يأس تثقل أرواحنا، وخوفًا يقيد خطواتنا. نسعى إلى سعادة نحلم بها، وآمال تشرق لنا دروب المستقبل، وإيمان يزرع الطمأنينة في نفوسنا، وأرزاق تحمل معها برد اليقين. وكلما طوى الزمن عامًا بعد عام، تقف متأملًا رحلتك في عمرك وإنجازك؛ بماذا تستجيب عندما تُسأل عن عمرك فيمَ أفنيته؟ وشبابك فيمَ أبليته؟

هل تمتلك إجابة شافية؟ وكيف ذلك وأنت سريع اليأس قليل الصبر؟ يحمل قلبك كلَّ خير، ولكن العائد لا يرضيك وأعمالك لا تكفيك، كان يمكن أن تقدم الأفضل في هذا العام المنقضي، ولكنه انقضى كغيره وسيبدأ الجديد كسابقه. فمن لنا بقلبٍ جديد ليس به كسرٌ أو جرح؟ ليس به ألمٌ أو حزن؟ ليس به خوفٌ أو عجز؟ قلبٌ جديد لعامنا الجديد.

وهذه مساحة بيضاء، تلك التي أخط عليها أحرفي، وأنظم في سطورها كلماتي، وأملؤها فرحًا وسرورًا وتفاؤلًا وإنجازًا ونجاحًا، وربما خذلتني السطور وملأتها حزنًا ومآسيَ وذنوبًا وإخفاقًا.

تقطر من ثغر السماء رحماتٌ تغسل الطرقات، وتغمر قلوب البشر أنسًا، تمحو من قلب المحزون حزنه، وتطهر الموجوع من وجعه، وتبعث السعادة في النفوس؛ هكذا تُهيأ الأرواح لعام جديد. فكل عام وأنتم بألف خير؛ بنبرة ألم نودع عامًا قد مضى، وبصوت أمل نستقبل عامًا جديدًا قد أتى.

وتمضي بي وبكم السطور كما تمضي بنا الدهور. نخط على مساحة بياضها أحرفنا التي تترك بصماتها ببريق من نور تفاؤليّ، مع إشراقة عام جديد.

نودع عامًا ونستعد لاستقبال عام جديد، ويرحل العام بكل ما حدث فيه من محطات في حياتنا؛ سعيدة وحزينة، التقينا وافترقنا، تعاهدنا وودعنا أقارب وأحبة وأصدقاء. ستصبح الذكرى في عقولنا لن ترحل، فالسنون بالأحباء أثمن، ويكفي أن نحمل معًا ابتسامة للذكرى نفسها تنقذنا من الوحدة لتجمل ملامحنا.

نستقبل عامًا جديدًا يحمل معه أملًا جديدًا بمستقبلٍ يملؤه النجاح والتقدم، وأيام آتية ترفرف بتفاؤل وإصرار، تطوي كل ما خلفها من آلام وفشل، فننظر لها بعينٍ مشرقة متلألئة بأن الآتي أجمل.

ننقل الحب والتسامح والصفاء، كما ينقل التلميذ واجباته وطقوسه الدراسية إلى دفتر جديد وصفحات جديدة؛ أنقل صوتك، وعزيمتك، ورسائلك، وطموحك، وتسامحك، وجديدك، وأفكارك، وعلّقها في خزانة العام الجديد، وهو ما يعني فرصة وحياة جديدة ننسى فيها الأمس بكل ما فيه من يأس وفشل وإحباط ودموع وأحزان وكره. لننثر للعالم ابتسامة طهر وسلوكٍ وتسامح وصدق ورقي ومحبة لكل من يسكن قلوبنا في العام الجديد.

في العام الجديد لا تربط ذاكرتك بالأفعال الماضية، ولا بذاكرة القطارات المسافرة؛ فأنت القطار في حياتك الذي يسافر ليلًا ونهارًا. عام من العمر قد انقضى، وأطل عام كالحلم يومًا على يوم، ولا زلنا في نفس المكان نراقب كل يوم موكب الأيام يمضي بانتظام في الليل ويتلوه النهار، والأرض هي الأرض دائمة الدوران، والشمس تشرق كل يوم ثم يخفيها الظلام.

العام الجديد يجب ألا يكون عام الحب والسلام فقط. والسلام مرتبطٌ بالسكينة والراحة سواء على مستوى الأسرة أو المجتمع؛ ولهذا فإن دول العالم أجمع تتخذ من غصن الزيتون والحمامة البيضاء رمزًا للسلام؛ لأنه دليلٌ على الرقي الإنساني وفرصة للنمو والتطور والازدهار، كما أنه يضمن حق الأطفال والأجيال القادمة أن تعيش بسلام كي تستمر في العلم والإبداع والإنجاز.

في العام الجديد نحتاج إلى الثقافة البيئية بين الأفراد في المجتمع الواحد من أجل الوطن والحفاظ على مكتسباته ومرافقه العامة التي أُنشئت من أجل الجميع.

العبث بالأماكن العامة، وتدمير المرافق، وإتلاف وسائل المواصلات والحدائق، وقطع الأشجار، وتحطيم الأسوار، والكتابة على الجدران؛ هذه التصرفات غير المسؤولة أصبحت شيئًا عاديًا في حياتنا في ظل غياب الذوق العام والجهل بأهمية هذه المنجزات في حياتنا الاجتماعية. لنجعل شعارنا في العام الجديد ”الذوق العام“ من أجل وطننا وجمال مدننا كي نعطي صورة جميلة لمجتمعنا.

في العام الجديد، يجب ألا يحمل معه تبدل التواريخ فقط، بل يمنحنا فرصة نفسية وإنسانية نادرة لفتح صفحة بيضاء، وإعادة ترتيب علاقاتنا، وعلى رأسها صلة الأرحام. فبين ضغوط الحياة وسوء الفهم المتراكم، تبتعد العائلات أحيانًا دون قصد، ومع بداية السنة الجديدة، يصبح السؤال الأهم: كيف نغتنم هذه البداية لتقوية الروابط الأسرية واستعادة الدفء العائلي؟ إن صلة الأرحام تمثل جزءًا أساسيًا من هذه الصفحة البيضاء، مع ضرورة إدراك أن القرب له درجات وحدود، فالتسامح لا يعني كشف الأسرار أو فتح الحياة الخاصة للجميع، خاصة مع أقارب أساؤوا سابقًا، إذ يمكن الحفاظ على الصلة مع وضع حدود صحية وآمنة تحمي السلام النفسي.

في العام الجديد ليكن كل واحدٍ منا رقيبًا على نفسه، فيحاسب نفسه ويقيمها، ولا تسعَ لتكون رقمًا على كوكب الأرض، بل ابحث عن أن تكون اسمًا ذا بصمة تبقى في ذاكرة القاصي والداني. فاصنع من خبرات العام الذي مضى شموعًا تضيء بها العام الذي أقبل؛ فأنت لم تخسر عامًا من عمرك، بل أضفت عامًا لنفسك.

لا تيأس إذا لم تكن البداية جميلة في عامك، فمعالم اللوحة وجمالها لا يظهران إلا بعد فترة من الزمن، ولا تفقد الأمل بالإنجاز، فالأمل هو ذلك الوقود الذي تتحرك به الحياة. استقبل عامك الجديد بنية أكيدة في التغيير الإيجابي.

خذ من الماضي فقط حكمة التعلم من المواقف، وواجه المستقبل بتفاؤل وثقة في ذاتك وقدراتك على أنك تستطيع أن تحيا بشكل أكثر كفاءة وتطورًا وإيجابية. اسعَ ليكون العام الجديد صفحة مشرقة في حياتك.

في العام الجديد نقول: تسلم لنا الحياة لوحة بيضاء نقية، وتهدينا معها أجمل الألوان، تخبرنا بين رسم الأحلام والواقع، بين رسم الأمل والألم، بين رسم الحياة المستقيمة والحياة البائسة، دون هشاشة أو ضعف وتصنُّع ونفاق، بين جمال النور أو ظلام العتمة.

لنفتح نوافذ أرواحنا الموصدة للخير، وليشرق عليها الأمل مجددًا حتى نُطلَّ منه، وتنتعش بأحلامنا وطموحنا وتطوير ذاتنا، لنجعل من ثغرنا وجهًا ضاحكًا، وقلبًا محبًا، وروحًا متفائلة.

كل عام ونفوسكم ممتلئة بالحب، وقلوبكم متسعة للجميع، مرسومةً عليها البهجة والسرور والطموح والفرح الدائم، وبيوتكم يغمرها الحب والود والسلام بين أفراد الأسرة.

أتمنى للجميع دائمًا أن تكون السنة الجديدة هي سنة الإنجازات والتطوير والسعادة، بطموحات وآمال مرجوة من الله تعالى، للجميع أقول، وبكل لغات العالم: كل عام وأنتم بخير، وعام سعيد.