آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 11:02 ص

انتحار فريدة

جلال عبد الناصر *

كان كلّ تصرّف يصدر من فريدة يؤكّد أنوثتها. فلا حاجة للنظر إلى جسدها لإثبات ذلك. غير أنني، وفي إحدى المرات، وبينما كنت أجلس في الغرفة المجاورة سمعتها تُصدر أصواتًا غريبة وتقوم بحركات لا توحي بأنها هي نفسها الأنثى الناعمة التي أعرفها.

كانت تضرب رأسها بقضبان القفص، ثم تحاول إدخال منقارها بقوة وكأنها تسعى إلى كسره. ورغم أنها هدأت قليلًا عندما حاولتُ إيقافها، إلّا أنها سرعان ما عادت إلى السلوك نفسه. عندها لجأت إلى استشارة أحد خبراء الطيور، فأخبرني أنّ بعض أنواع الطيور قد تمارس عدوانية على نفسها إذا أصابها الاكتئاب. وحذّرني في الوقت ذاته من تحويل القفص إلى ما يشبه غرفة عزل مبطّنة كما في المصحات النفسية؛ لأنها قد تعمد إلى نزع أظافر قدميها حتى يسيل الدم. كما نصحني بعدم لفّ ساقيها بالشاش لحمايتها من عضّ نفسها، إذا إنها ستتوقف عن الأكل، وتحقق ما تسعى إليه: الموت.

في الأسبوع الماضي، انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي مقطع يُظهر أحد المعتمرين وهو يُلقي بنفسه من الطابق العلوي في ساحة الحرم محاولًا إنهاء حياته. ومن يشاهد المقطع يلاحظ أنه حين تجاوز الحاجز ووقف على الحافة، بدا عليه التردد والحذر، وكأنه يصارع قرارًا داخليًا، غير أنّ شيئًا ما كان يدفعه إلى عدم التراجع، وربما كان صوتًا يهمس في أذنه «هلاوس سمعية»، فمضى ونفّذ فعلته.

لستُ بصدد تحليل الحالة النفسية لذلك المعتمر في لحظاته الأخيرة، لكنّ المشهد أعاد إلى ذاكرتي أحد المرضى الذي قرّر الانتحار، فوضع فوهة المسدس في فمه وبدأ يتشهّد، ثم سمع صوت أمه، فخشي أن يفزعها بدويّ الرصاصة، فعَدَل عن الفكرة مؤقتًا. وقد يستغرب القارئ كيف يخاف إنسان على والدته من صوت إطلاق النار، ولا يخاف عليها من ألم فقده بهذه الطريقة، لكن هنا تحديدًا يتجلّى عمق المرض النفسي.

أما ذلك المعتمر، فقد منحه رجل الأمن فرصة لمراجعة نفسه، إلّا أنّ الحادثة ربما خلّفت أثرًا نفسيًا عميقًا لدى بعض من شهدوها، قد يكون بداية لمعاناة نفسية لاحقة.

في بعض حالات الانتحار، تكون الرغبة في الموت جارفة، تتجلّى في التخطيط والإصرار على التنفيذ. وهذا السلوك لا يقتصر على البشر وحدهم؛ فقد أصرّت فريدة على المضي في خطتها حتى نجحت في كسر منقارها، لتفارق الحياة بعد أقلّ من يوم تقريبًا.

اختصاصي نفسي في مجمع إرادة للصحة النفسية بالدمام