العفالق: اختزال الجزيرة العربية في «الصحراء» تزييف للوعي يسقط عند أسوار الأحساء
أكد الباحث في تاريخ الإنسان والحضارة ورئيس اللجنة الوطنية للخدمات السياحية باتحاد الغرف السعودية، الدكتور عبداللطيف العفالق، أن اختزال تاريخ الجزيرة العربية في بعدها الصحراوي الجاف يعد تزييفاً للوعي التاريخي وإجحافاً بحق المكان، وهي النظرة القاصرة التي تسقط تماماً عند أسوار ”الأحساء“ بوصفها النموذج الحضاري الأكمل.
وشدد العفالق، خلال محاضرته النوعية في ملتقى الدرعية الدولي، على أن فهم منظومة الواحات العربية يبدأ ”إجبارياً“ من بوابة الأحساء التي تجاوزت مفهوم الرقعة الزراعية لتصبح دولة حضارية مصغرة قهرت قسوة الجغرافيا.
وأوضح أن الخطأ الشائع في الدراسات التقليدية يكمن في تجاهل العمق الإنساني الذي تشكل عبر آلاف السنين، والاكتفاء بالنظر للواحات كبقع خضراء هامشية.
وكشفت المحاضرة أن الواحات في الجزيرة العربية لم تكن مجرد مزارع، بل كانت مراكز استقرار بشري معقدة، ومنصات للتبادل الثقافي، وحاضنات لابتكار حضاري فريد.
واستعرض الدكتور العفالق كيف أسهمت هذه الواحات في بناء شبكات اجتماعية واقتصادية مبكرة، مما خلق نظاماً مستداماً للحياة يتحدى الظروف المناخية الصعبة.
وتوقف طويلاً عند الأحساء باعتبارها الحالة الفريدة عالمياً، حيث تداخلت فيها شبكات المياه وفنون الزراعة مع عبقرية الإنسان والمعرفة لتشكيل منظومة متكاملة.
وأشار إلى أن هذا التلاحم الأحسائي أنتج نمط حياة مستداماً سبق النظريات الغربية الحديثة في إدارة الموارد الطبيعية بقرون طويلة، مما يجعله مرجعاً علمياً لا غنى عنه.
ونبه إلى أن الأحساء لا يمكن دراستها كمساحة جغرافية معزولة، بل ككيان حضاري حي تشكل عبر تفاعل دقيق ومستمر بين الإنسان وبيئته المحيطة.
وضربت المحاضرة بالأحساء مثالاً حياً على قدرة المجتمعات القديمة على التكيف مع البيئات الجافة، وتحويل التحديات الطبيعية القاسية إلى فرص حقيقية للاستقرار والنمو.
وربط الخبير السياحي بين هذا الإرث الحضاري والواقع المعاصر، مؤكداً أن استيعاب تاريخ الواحات بعمق يسهم في صياغة سياسات سياحية وتنموية وطنية مستدامة.
ودعا إلى استلهام الخصوصية البيئية والثقافية للأحساء عند وضع الخطط المستقبلية، لضمان استمرار العلاقة المتوازنة بين الإنسان والمكان.
وجاءت هذه الطروحات الجريئة في قلب الدرعية، مهد الدولة السعودية، لتنسجم مع رسالة الملتقى الذي يسعى لإعادة قراءة التاريخ الإنساني من زوايا علمية متعددة.
وأثبت الملتقى، الذي جمع بين علم الآثار والأنثروبولوجيا وتاريخ الحضارات، أن المملكة ليست مجرد حاضنة لمواقع أثرية، بل مختبر مفتوح لدراسة تطور الإنسان.
وخلصت الرؤية العلمية للملتقى إلى أن الأحساء تمثل مختبراً أنثروبولوجياً جديراً بالدراسة والتطوير، لامتلاكها عمقاً حضارياً وإنسانياً يمتد لآلاف السنين.
وتم التأكيد على أن النموذج الأحسائي يقدم دروساً عملية في الاستدامة يمكن تطبيقها في إدارة الواحات العربية حالياً لمواجهة تحديات المستقبل.
واختتم العفالق ورقته بترسيخ قناعة نهائية مفادها أن الأحساء ليست واحة بل منظومة حضارية مكتملة، وأن أي محاولة لفهم تاريخ المنطقة دون البدء منها ستكون ناقصة.
















