آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 11:02 ص

عندما يغيب الوعي

ورد عن أمير المؤمنين : «لا ترى الجاهل إلا مفرطا أو مفرّطا» [نهج البلاغة، الحكمة: 70 ].

أحد أهم آثار فقدان البصيرة والحكمة والنضج في التفكير وما تلقي به على النفس البشرية بعد هذا الحرمان والانتقاص فقدان بوصلة التفكير الواعي وما يستتبعه من خطوات وازنة، فحالة الجهل تعني السير في ميادين الحياة خبط عشواء والخطوات غير المدروسة وحياة التيه والضياع، فالعقل المغيب عن المعارف والخُطى المتزنة والحكمة في الإيقاع السلوكي سيقود صاحبه نحو مصير مجهول ونفق مظلم لا يُعلم نهايته، فالبعض يتصور وهما بأن الجهالة حالة فقدان المعلومات والإجابات المنطقية، بل هو مفهوم شامل لحالة فكرية ونفسية تقود الإنسان إلى اختلال ميزان السلوك فلا يعرف الاعتدال ولا يحسن الوقوف عند حدود الحكمة والمنطقية في أحاديثه ومواقفه وعلاقاته، فيندفع تارة إلى الإفراط والخطوات المندفعة والمتسرعة وغير مدروسة العواقب والنتائج، ويتراجع تارة أخرى إلى التفريط وتضييع ما تحت يده من قدرات وإمكانيات وجهود وفرص متاحة.

الجاهل غالبا ما يُخطئ تقدير الأمور ويغيب عنه حالة التوازن والاعتدال المبنية على قراءة واقعية لمجريات الأمور؛ لأن قراءته للواقع غير مبنية على علم ولا وعي لذلك تجده يتخذ مواقف متسرّعة، فيبالغ في تقييم الأشياء ويطلق أحكاما مطلقة بلا تروٍّ ولا دراسة دون أن يتقبّل فكرة وضع خطاه وأفكاره تحت مجهر المحاسبة والتدقيق، فهو إن أحبّ بالغ حتى يصل إلى العمى العاطفي دون وضع معايير وأسس يبني عليها علاقاته ويميز فيها بين مستوى علاقاته، وإن كره فرّط حتى يظلم ويجحف ويتمادى في حالة الاحتراب والاستعداء دون أن يضع خط رجعة يمكن من خلاله التراجع عن الأخطاء المرتكبة، وهذه الازدواجية تنشأ من غياب المرجعية العقلية الراشدة التي تضبط الانفعالات وتُقف النفس عند حدود الهدوء والحكمة وعدم التسرّع وتوازن القرارات المتخذة بعيدا عن الانفعالات الشديدة المغيبة للرشد.

الاعتدال والاتزان في الفكر والسلوك هو نتاج العقل الواعي وما يحمله من مخزون معرفي وسلوك متناسق ومتناسب معه تماما، فالعاقل بعيد عن الإفراط والمبالغة غير المقبولة فيما يصدر منه كما هو بعيد تماما عن التفريط والتقصير؛ لأن بصيرته ترشده إلى الموقف الراجح في الوقت المناسب أما الجاهل فلا يملك تلك القدرة على الموازنة، فيتأرجح بين التشدّد غير المبرر في مواقفه وعلاقاته وقراراته وبين التساهل غير المسئول والخيبة المكتسبة،

فيُفسد أكثر مما يصلح سواء كان ذلك في الدين أو الأخلاق أو العلاقات الاجتماعية أو إدارة شئون الحياة والأهداف المرسومة.

أما كيفية معالجة ظاهرة الجهالة في مختلف جوانبها الثقافية والاجتماعية والأخلاقية يكمن في نشر المعارف وتعزيز وعي الإنسان بذاته وبالعالم من حوله وغرس ثقافة التفكير والتأمل والتأني قبل اتخاذ المواقف والقرارات، فالمجتمع الذي يسود الجهل بين أفراده سيعيش بين طرفين خطيرين: الاندفاع المدمّر أو اللا مبالاة المميتة «فقدان حس المسئولية».

وفي الختام فإن المعرفة هي التي تمنح الإنسان القدرة على الاعتدال وتُبعده عن مزالق الإفراط «الاندفاعية» والتفريط «عدم تحمل المسئولية»، وبهذا يتجلّى عمق هذه الحكمة في تشخيص جذور الانحراف الفكري والسلوكي وربطها بغياب الوعي.