آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 11:02 ص

انكماش النخبة وصعود الهامش:

قراءة سوسيولوجية في تراجع الدور القيادي للأكاديمية العراقية

يشهد المشهد الاجتماعي والثقافي في العراق تحولاً بنيوياً عميقاً يتمثل في انحسار دور النخبة الأكاديمية عن تصدر واجهة التوجيه والقيادة المجتمعية، تاركة المجال لفاعلين جدد يفتقرون غالباً للأدوات المعرفية الرصينة. ولفهم جذور هذه الأزمة لا بد من العودة إلى المفهوم الجوهري لدور المثقف؛ إذ يعرف إدوارد سعيد بأن المثقف ليس مجرد حامل للشهادة أو خبير تقني، بل هو فرد يتمتع بموهبة تمثيل رسالة أو وجهة نظر للجمهور، ومهمته الأساسية هي ”قول الحق للسلطة“ وكسر القوالب النمطية السائدة (Said, 1994). إلا أن الواقع العراقي يشير إلى حدوث انزياح عن هذا الدور الرسالي، حيث تحول الأكاديمي تدريجياً إلى ”موظف متخصص“ غارق في المتطلبات الإدارية والترقيات العلمية مما أحدث فراغاً قيادياً خطيراً.

ويمكن تفسير هذا الانغماس في التفاصيل الإدارية والبيروقراطية من خلال مفهوم ”القفص الحديدي“ (Iron Cage) الذي طرحه ماكس فيبر. ففي الحالة العراقية، باتت المؤسسة الجامعية تحبس طاقات الأفراد في أنظمة صارمة قائمة على الكفاءة الشكلية والسيطرة والترشيد الإداري، مما يقتل الروح الإبداعية والقدرة على التأثير الإنساني المباشر (Weber, 1930). لقد أصبح الأستاذ الجامعي سجيناً لهذا القفص، حيث تُقاس قيمته الأكاديمية بعدد اللجان التي يشارك فيها والأوراق التي يملؤها، وليس بالأثر الحقيقي الذي يحدثه في بنية المجتمع أو قدرته على حل مشكلاته.

هذا الانكفاء المؤسسي أدى بالتبعية إلى ظاهرة يمكن تسميتها بـ ”فراغ السلطة المعرفية“، وهو الفراغ الذي سمح بصعود ما يصفه آلان دونو بـ ”نظام التفاهة“. يشير دونو إلى أن المؤسسات الحديثة، والجامعات ليست استثناءً، باتت تفضل الأشخاص ”المقبولين“ الذين لا يطرحون أسئلة مزعجة ولا يشتبكون مع الواقع، بل يركزون على النجاح الوظيفي البحت (Deneault, 2018). هذا الانسحاب الطوعي للنخبة المتعلمة فسح المجال لسيطرة المؤثرين والمشاهير على المشهد العام، لأنهم يمتلكون الجرأة وأدوات الانتشار الجماهيري التي تخلى عنها الأكاديمي ترفّعاً أو انشغالاً.

ومن منظور آخر، يمكن فهم هذه الخسارة في التأثير عبر تحليل بيير بورديو لأشكال رأس المال. فبينما يمتلك الأكاديميون العراقيون ”رأس مال ثقافي“ عالٍ (شهادات ومعرفة)، فإنهم فشلوا في تحويله إلى ”رأس مال اجتماعي“ مؤثر، في حين نجح الفاعلون الجدد - المشاهير - في مراكمة رأس مال اجتماعي هائل رغم فقرهم الثقافي مستغلين المنصات الرقمية لتعزيز حضورهم (Bourdieu, 1986). وقد تعمقت هذه الفجوة بسبب ما أسماه راسل جاكوبي بظاهرة ”المثقفين الأخيرين“، حيث يرى أن الأكاديمية ابتلعت المثقفين وحولتهم إلى فئة تكتب لبعضها البعض بلغة معقدة ومنعزلة (Jargon)، مما أدى إلى غياب ”المثقف العام“ القادر على مخاطبة الجمهور بلغة مفهومة (Jacoby, 1987).

ختاماً، فإن استعادة التوازن للمشهد العراقي تتطلب إعادة النظر في وظيفة الجامعة وعلاقتها بالمحيط، استناداً إلى رؤية يورغن هابرماس حول المجال العام. يجب أن تعود الجامعة لتكون جزءاً حيوياً من المجال العام الذي يتم فيه تداول الآراء بحرية وعقلانية (Habermas, 1989).

إن تحرير الأكاديمي من القفص الحديدي البيروقراطي ودفعه للاشتباك مع قضايا المجتمع ليس ترفاً، بل هو ضرورة حتمية لمواجهة المد السطحي واستعادة دفة القيادة الفكرية.

قائمة المصادر:

Bourdieu, P. (1986). The forms of capital. In J. Richardson (Ed.)، Handbook of theory and research for the sociology of education (pp. 241-258). Greenwood

Deneault, A. (2018). Mediocracy: The politics of the extreme centre. Between the Lines

Habermas, J. (1989). The structural transformation of the public sphere: An inquiry into a category of bourgeois society (T. Burger & F. Lawrence, Trans.). MIT Press

Jacoby, R. (1987). The last intellectuals: American culture in the age of academe Basic Books

Said, E. W. (1994). Representations of the intellectual. Vintage Books

Weber, M. (1930). The Protestant ethic and the spirit of capitalism (T. Parsons, Trans.). Scribner
أستاذ في كلية الإمام الكاظم عليه السلام بالعراق