آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 12:04 م

ما المعدل المطلوب لتعظيم ”العائد الديموغرافي“؟

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال

ثمة فرصة ديمغرافية أو ما يعرف بالعائد الديمغرافي، وهو النمو الاقتصادي المحتمل الذي ينشأ من تغييرات في التركيبة العمرية للسكان في دولة ما، وتبرز الفرصة عندما تكون الشريحة الأكبر هي الشريحة الشابة في سن العمل ويتجاوز تعدادها بقية الشرائح، بمعنى أن معدل الإعالة أقل ما يمكن. والتحدي هو استثمار الفرصة الديمغرافية التي - بطبيعة الحال - تتناقص بذات الوتيرة التي يتصاعد فيها متوسط الأعمار، وذلك عبر التعليم والتدريب والتأهيل وخلق وظائف لتوليد قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

ولذا، وللمحافظة على مَدّ أمدّ النافذة الزمنية للفرصة الديمغرافية فينبغي الحفاظ - في الحد الأدنى - على عدد السكان دون أن يتناقص على المدى الطويل - بدون احتساب الهجرة - أو ما يعرف بمعدل ”الخصوبة على مستوى الاستبدال“، وقيمته عموما 2.1 طفل لكل امرأة في معظم البلدان، ومبرر ذلك أن هناك حاجة إلى ما يقرب من طفلين لاستبدال الوالدين «واحد لكل منهما»، بالإضافة إلى 0.1 الاضافية لتعويض بعض العوامل مثل وفيات الأطفال.

انخفاض معدلات الانجاب في السعودية ليس تحدياً اقتصادياً في الأساس، فالدائرة الأوسع هي الشأن المجتمعي، والجانب الأهم هو الحفاظ على الهوية الوطنية والثقافة السعودية التي تميز وطننا عما سواه، وهذا لا يعني انغلاقاً، بل يستوجب تعاملاً مع المتغيرات من خلال سياسات استشرافية وتنفيذها من خلال مبادرات ناجزة. وعلينا تذكر أن انخفاض معدلات الانجاب ظاهرة أرّقت العديد من الدول قبلنا، منها من حاول وفشل مثل اليابان رغم عِظم ما لديها من موارد بسبب أنها تمسكت بسياسات تقليدية استخرجتها من ”قاع الصندوق“، فيما نجحت بعض الدول مثل السويد بأن اجترحت سياسات سكانية من خارج الصندوق فيها جراءة وتكلفة عالية، وقبلها فرنسا.

ومهما يكن من أمر، فيُعد تراجع معدل نمو السكان تحدياً ديموغرافياً بارزاً، إذ أن مؤداه شيخوخة السكان، وانخفاض تعداد القوى العاملة، وزيادة الضغط على أنظمة الرعاية الاجتماعية والصحية. ولاستباق هذه التبعات المُكلّفة تنتهج الدول مجموعة من السياسات والمبادرات التي تختلف باختلاف المعطيات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية لكل دولة، تتمحور حول استحثاث التوالد وحَفز الخصوبة وتقليل أعباء الانجاب والرعاية.

وفيما يتصل بالسعودية، فيقدر عدد سكان المملكة حالياً بحوالي 34.6 مليون نسمة، ومن المتوقع أن ينمو ليبلغ 47.7 مليون في العام 2050.

وبفضل تحسينات الرعاية الصحية والتقدم في نمط الحياة، من المتوقع أن يرتفع متوسط العمر، مما يعني توسعًا في الجزء العلوي من الهرم «كبار السن فوق 65 عامًا». هذا قد يؤدي إلى تحول الهرم من شكل هرمي تقليدي ذي القاعدة العريضة إلى شكل أقرب إلى العمود أو حتى الهرم المقلوب في المدى البعيد في حال عدم حدوث تداخلات.

تأثير الهجرة: تعتمد المملكة بشكل كبير على العمالة الوافدة «حوالي 41.6% من السكان في العام 2022 غير سعوديين». وأخذاً بالاعتبار تحقيق مستهدفات رؤية 2030 لتنويع الاقتصاد وزيادة الاستثمار الأجنبي والانفتاح على تأشيرات لاستقطاب الرياديين والمستثمرين وأصحاب الكفاءات والمواهب، فقد تتصاعد الهجرة. وإذا تحقق هدف زيادة عدد السكان إلى 50-60 مليون بحلول 2030 «كما أشير في بعض المناقشات»، فإن نسبة الوافدين مرشحة للزيادة أخذاً في الاعتبار الحاجة المتزايدة للكوارد الشابة، مما يؤثر على توزيع الفئات العمرية، خاصة لتلك التي تشمل سن العمل «20-60 عاماً».

أما التحدي فيتمثل في التعامل مع الشيخوخة السكانية، فبحلول 2050، من المتوقع أن تزداد نسبة كبار السن نتيجة انخفاض المواليد «نتيجة لتناقص معدل الانجاب» وزيادة متوسط العمر. هذا التحول سيجعل الهرم السكاني أكثر اتساعًا في الوسط والأعلى مقارنة بالقاعدة، مما يشير إلى مجتمع ينتقل من مرحلة ”النمو الشبابي“ إلى مرحلة ”الاستقرار السكاني“ أو حتى ”الشيخوخة“.

التأثير الاقتصادي والاجتماعي: مع تركيز رؤية 2030 على تقليل الاعتماد على النفط وزيادة السياحة والاستثمار في الأنشطة غير النفطية بما ذلك الخدمية التي تتطلب أعداداً متصاعدة من العمالة الفتية، فقد يستمر تدفق الوافدين من الفئات العمرية العاملة، مما يحافظ على قوة الهرم في الوسط «الفئة العاملة» لفترة أطول قبل أن تبدأ الشيخوخة في الظهور بشكل أوضح بعد العام 2040.

تجارب دولية في سبل التعامل مع تقلص معدل نمو السكان

تنتهج الدول مجموعة من السياسات والمبادرات التي تختلف باختلاف السياقات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية. وفيما يلي أبرز هذه الاستراتيجيات بناءً على تجارب عالمية:

تشجيع الإنجاب وزيادة معدلات الخصوبة

الحوافز المالية: تقدم دول مثل فرنسا والسويد مزايا مالية كبيرة للأسر، مثل الإعانات الشهرية لكل طفل، والإعفاءات الضريبية، لتحفيز الإنجاب. في فرنسا، على سبيل المثال، يحصل الآباء على إجازات مدفوعة الأجر ودعم مالي يزداد مع عدد الأطفال.

دعم التوازن بين العمل والأسرة: توفر دول مثل الدنمارك والنرويج خدمات رعاية أطفال ميسورة التكلفة وعالية الجودة، إلى جانب إجازات أمومة وأبوة طويلة ومرنة، مما يشجع الشباب على تكوين أسر دون التضحية بمسيرتهم المهنية.

حملات توعية: في اليابان وكوريا الجنوبية، حيث انخفضت معدلات الخصوبة بشكل حاد «أقل من 1.5 طفل لكل امرأة»، أطلقت الحكومات حملات لتغيير النظرة الاجتماعية السلبية تجاه الإنجاب المبكر وتشجيع الزواج.

تعزيز الاستقدام لتعويض نقص القوى العاملة

سياسات هجرة مرنة: تعتمد دول مثل كندا وأستراليا على برامج هجرة قائمة على النقاط لجذب الشباب المؤهلين لسد الفجوة في سوق العمل. كندا، على سبيل المثال، تهدف إلى استقبال أكثر من 400 ألف مهاجر سنويًا لدعم الاقتصاد والتوازن الديموغرافي.

دمج المهاجرين: في ألمانيا، التي تواجه شيخوخة سكانية كبيرة، تم إطلاق مبادرات لتدريب وتأهيل المهاجرين، مثل اللاجئين السوريين، للانخراط في سوق العمل، مع تقديم دورات لغة وتدريب مهني.

رفع إنتاجية القوى العاملة والاستثمار في التقنية

التدريب وإعادة التأهيل: في دول مثل سنغافورة واليابان، تُركز السياسات على تطوير مهارات العمال الأكبر سنًا عبر برامج تدريب مستمرة لضمان بقائهم في سوق العمل لفترة أطول.

الأتمتة والذكاء الاصطناعي: تستثمر اليابان، التي تعاني من انخفاض سكاني حاد، في الروبوتات والتكنولوجيا لتعويض نقص العمالة، خاصة في قطاعات مثل الرعاية الصحية والصناعة.

تمديد سن العمل وإصلاح أنظمة التقاعد

رفع سن التقاعد: في دول مثل إيطاليا وهولندا، تم رفع سن التقاعد تدريجيًا «إلى 67 أو أكثر» للحفاظ على القوى العاملة النشطة لمدة أطول، مع تقديم حوافز لمن يختارون العمل بعد سن التقاعد.

تشجيع العمل الجزئي: في السويد، يُشجع كبار السن على العمل بدوام جزئي مع الاحتفاظ بجزء من معاشاتهم، مما يخفف الضغط على نظام التقاعد.

تحسين الرعاية الصحية وزيادة متوسط العمر النشط

الاستثمار في الصحة: تركز دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية على تعزيز الرعاية الصحية الوقائية لضمان أن يعيش كبار السن حياة صحية ومنتجة، مما يقلل من تكاليف الرعاية ويزيد من مساهمتهم الاقتصادية.

برامج للشيخوخة النشطة: في الاتحاد الأوروبي، تُطلق مبادرات مثل ”الشيخوخة النشطة والصحية“ لتشجيع كبار السن على المشاركة في المجتمع عبر التطوع أو الأنشطة الاقتصادية.

إعادة هيكلة الاقتصاد للتكيف مع الشيخوخة

تعزيز القطاعات المناسبة: في الصين، التي بدأت تواجه تراجعًا سكانيًا بعد عقود من سياسة الطفل الواحد، تُركز الحكومة على تطوير اقتصاد ”الرعاية“ «مثل خدمات كبار السن» لخلق فرص عمل جديدة تتناسب مع السكان الأكبر سنًا.

تقليص الاعتماد على العمالة الشابة: تسعى دول مثل روسيا إلى تقليل الاعتماد على القوى العاملة الشابة من خلال تطوير الصناعات القائمة على التقنية بدلاً من العمالة اليدوية.

تجارب بارزة:

السويد: نجحت في الحفاظ على توازن ديموغرافي نسبي من خلال سياسات داعمة للأسرة واستقبال مهاجرين، مما جعلها نموذجًا يُحتذى به.

اليابان: على الرغم من فشلها في عكس انخفاض الخصوبة، إلا أنها نجحت في التكيف عبر التقنية وإطالة عمر العمل.

كندا: تعتمد على الهجرة كحل مستدام، مما يجعلها من أقل الدول تأثرًا بتراجع النمو السكاني.

نتناول بتوسع نسبي تجربة السويد، كونها متوازنة، عبر تناول بعض السياسات التي تتبعها:

سياسة دعم الأسر والإنجاب

إجازة الوالدين المدفوعة: تقدم السويد واحدة من أكثر سياسات إجازة الوالدين سخاءً في العالم، حيث يحق للأبوين معًا الحصول على 480 يومًا «16 شهرًا تقريبًا» مدفوعة الأجر بنسبة 80% من الراتب. من هذه الأيام، يُخصص 90 يومًا لكل والد بشكل غير قابل للتحويل، مما يشجع الآباء على المشاركة في رعاية الأطفال ويعزز المساواة بين الجنسين.

إعانات الأطفال: تُقدم الحكومة دعمًا ماليًا شهريًا لكل طفل «حوالي 1,250 كرونة سويدية، أي ما يعادل 120 دولارًا تقريبًا في 2025 لكل طفل شهريًا»، ويزداد المبلغ مع عدد الأطفال في الأسرة، مما يخفف العبء المالي عن الآباء.

رعاية أطفال ميسورة التكلفة: توفر السويد خدمات حضانة ورياض أطفال مدعومة بشكل كبير من الدولة، حيث لا تتجاوز تكلفة الوالدين 3% من دخلهم الشهري «بحد أقصى حوالي 1,500 كرونة شهريًا». هذا يتيح للأمهات العودة إلى العمل بسهولة، مما يحافظ على معدل الخصوبة عند مستوى معقول «حوالي 1.7-1.8 طفل لكل امرأة».

تعزيز التوازن بين العمل والحياة الأسرية

مرونة العمل: تُشجع الشركات على توفير جداول عمل مرنة، مثل العمل بدوام جزئي أو من المنزل، خاصة للآباء الجدد. هذا يساعد الشباب على الجمع بين مسؤوليات الأسرة والعمل دون ضغوط كبيرة.

حق العودة للعمل: يضمن القانون السويدي للوالدين الحق في العودة إلى وظائفهم بعد إجازة الأمومة أو الأبوة دون فقدان مكانتهم المهنية، مما يشجع على الإنجاب دون الخوف من التأثير على الحياة المهنية.

دعم كبار السن والشيخوخة النشطة

رفع سن التقاعد تدريجيًا: بدأت السويد في رفع سن التقاعد من 65 إلى 67، مع خطط للوصول إلى 69 بحلول 2030، مع السماح للأفراد بالعمل بعد ذلك إذا رغبوا. يتم تقديم حوافز مالية لمن يستمرون في العمل.

رعاية صحية متقدمة: تُركز السويد على الرعاية الصحية الوقائية لكبار السن، مما يطيل فترة حياتهم النشطة ويقلل من الاعتماد على المعاشات والخدمات الاجتماعية.

العمل الجزئي للمتقاعدين: يُشجع كبار السن على العمل بدوام جزئي مع الاحتفاظ بجزء من معاشاتهم، مما يحافظ على مساهمتهم في الاقتصاد.

كيف ستكون تأثيراته على الاقتصاد السعودي؟ وما الحلول المقترحة؟

إن لم تتفعل سياسات ترتكز إلى رفع إنتاجية المواطن والمواطنة لتنعكس نمواً في وتيرة الانتاج، فإن الاعتماد سيتزايد لاستقطاب العمالة الوافدة التستحوذ على نسبة أعلى من الوظائف والأفضل «الأعلى أجراً وأماناً» من حيث النوع. وهذا يعني أهمية وضع خارطة طريق لانخراط المواطنين والمواطنات في مسارات مهنية ذات صلة بالأنشطة الاقتصادية البازغة، مع برامج تمكين وظيفي وتأهيل مهني وإعداد للقيادة.

ومن ناحية ثانية، وهذا مطلب حرج الأهمية، فلا مناص من الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، مثل تجربة السويد، لتحفيز الشريحة الشابة من المواطنين على الانجاب، وذلك من خلال حزمة حوافز مالية وغير مالية تخفف تكلفة إنجاب ورعاية وتعليم الطفل، وبرنامج لتمكين الوالدين من رعاية طفلهما بمنحهما اجازات رعاية ممتدة تخضع للتنظيم من خلال تعديلات في مواد نظام العمل ونظام التأمينات الاجتماعية، بما في ذلك تطوير منتج تأميني مناسب يحصن رب العمل من تصاعد تكاليفه وفقدان إنتاجية قد تؤثر على وضعه في السوق.

الاستمرار في التوسع في سياسات التحول الرقمي وتوظيف الذكاء الاصطناعي، بما يقنن الاعتماد على العمالة الوافدة، تعزيزاً لميزان المدفوعات من جهة، وتمكين الاقتصاد السعودي من تحقيق مكاسب متصاعدة في انتاجيته دون أن يعاني من ”سمنة سكانية“ تنتج عن استقطاب أعداد هائلة من العمالة متدنية أو محدودة أو حتى متوسطة المهارة، وإتاحة الفرصة كاملة للاستفادة من رفع المستوى المهاري للمواطنين والمواطنات وتشجيعهم على دخول سوق العمل، وبالتزامن إيجاد ممكنات تحقق التوافق بين الانجاب ودخول سوق العمل.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى