آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 11:02 ص

في وهم الفقد… وأثر ما لم يرحل

من سلسلة: امتدادات الغائب

عبير ناصر السماعيل *

كانت الآلة الكاتبة تعيش أزهى طقوسها حين تبدأ تلك الأصابع بالتحليق فوقها. لم تكن مجرد لمسات، بل نبضات سريعة تعبر حول جسد الآلة فتوقظ معدنها الصامت. ومع كل حرفٍ يُطبع، كان يخرج نبضٌ مسموع، صدىً ليقينٍ يسكن قلب الكاتب. كانت الآلة تتغنّى، تعزف لحن الوجود مع كل نقرة، وتستمتع بحركتها الميكانيكية الرشيقة؛ حتى تلك اللحظات التي كانت تعود فيها إلى الوراء لتصحيح خطأ ما، كانت تشعر بأنها رقصة تراجعٍ تسبق القفز نحو الحقيقة.

كانت تمرّ عليها تلك اللمسات بقدسية تشبه الصلاة، يلمس حروفها بخشوع من يفتتح يومه بذكر، ويمسح عنها غبار الحيرة بخرقة من محبة، لتصبح الآلة هي المحراب المادي الذي تتجسد فيه المعاني.

وهنا يبرز التساؤل الذي يربك سكون المعدن:

هل كانت الآلة هي من تكتب، أم أن أصابع الكاتب كانت مجرد جسرٍ عبرت من فوقه الروح لتضع بصمتها على وجه الورق؟

عندما يسبق الجسد الروح بخطوة

مع انسياب الأيام، بدأ ذلك الطربُ الميكانيكي يذبل. اللمسات التي كانت بمثابة قبلاتٍ تُحيي تروس الآلة، أصبحت تتوافد شاحبة، باردة، كأنها أطيافٌ خجولة تخشى الاقتراب.

بدأت الآلة تقتات على الصمت المريب، تشعر بجسدها يتصلب، وبأزرارها التي كانت تتراقص وهي تغرق في وحشة الانتظار. في تلك العزلة، لم تكن الآلة تبحث عن ”كلمات“، بل عن ”هويتها“ التي تلاشت برحيل اللمس. تساءلت في سرها: هل انطفأ النور الذي كان يسكنني ويجعل حروفي تشع؟ أم أن شروخًا غير مرئية أصابت كياني المعدني فجعلتني عبئًا على تلك الأصابع؟

حين نتحدث عن الحضور الداخلي، هل نتحدث عن أمرٍ يتجاوز الجسد؟

أم أن الجسد على عكس ما نحب أن نعتقد هو البوابة الأولى لكل شعور بالمعنى، والطمأنينة، والاتصال؟

يرى الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو - بونتي، في كتابه Phenomenology of Perception, أن الجسد ليس غلافًا للوعي، بل شرطًا لحدوثه. الذات بحسبه لا ”تسكن“ الجسد، بل تتحقق من خلاله. فإذا كان الجسد متعبًا، مثقلًا، منفصلًا عن إحساسه الداخلي، فهل يمكن للذات أن تحضر كما كانت؟ أم أن الحضور ذاته يحتاج جسدًا قادرًا على حمله؟

ومن زاوية أخرى، يأتي علم الأعصاب ليطرح السؤال نفسه بلغة مختلفة. يشير عالم الأعصاب ستيفن بورجس، في نظريته المعروفة باسم Polyvagal Theory, إلى أن الجهاز العصبي لا يعمل دائمًا في وضع ”التواصل“، بل ينتقل تحت الضغط أو الصدمة إلى وضع ”النجاة“. في هذا الوضع، لا يختفي الوعي، لكنه ينكمش؛ ولا تنقطع الإشارات، لكن القدرة على استقبالها تتبدّل.

وهنا يظهر حجر الأساس لكل ما نحاول فهمه:

قدرة الجسد على أن يكون وسيطًا صالحًا للحضور الداخلي.

هل يمكن للروح أن تتجلى، بينما الجسد في حالة إنذار؟

وهل الانقطاع الذي نشعر به أحيانًا غياب في المعنى… أم تغيّر في طريقة وصوله؟

هذا السؤال لا يبدو غريبًا عن الحكمة القديمة. يقول الإمام علي بن أبي طالب في نهج البلاغة:

”إنما قلبُ الإنسان كالأرض الخالية، ما أُلقي فيها من شيءٍ قبلته.“

ليست المسألة هنا قبولًا أو رفضًا، ولا إيمانًا أو إنكارًا، بل قابلية.

فإن كانت الأرض تُنهك، فهل يعجز القلب أحيانًا عن الاحتضان، لا عن الإيمان؟

ما الذي يتركه الغياب في الأشياء

في زاوية الغرفة التي لا يزورها ضوء الشمس إلا خلسة، كانت الآلة الكاتبة تقبع كأنها محراب مهجور. مع مرور الوقت، لم يعد الصمت مجرد غياب للصوت، بل تحوّل إلى مادة ملموسة.

بدأ الغبار يزحف ببطء، يرسم طبقة رمادية باهتة فوق تلك الحروف التي كانت بالأمس تشع بالحياة. صار ملمس ”الألف“ خشنًا، وغابت لمعة ”السين“ تحت ركام النسيان.

تنظر الآلة إلى جسدها المغطى بالرماد، فتشعر بخواء ينهش تروسها؛ فراغ يسكن الفجوات بين أزرارها، وكأنها فقدت جوهرها للأبد.

لكن، ماذا يحدث حين يرتجف الحامل، وتتيبس التروس؟

في علم النفس العصبي، يُشار إلى هذه الحالة بوصفها إحساس الفراغ الداخلي.

وحين نسمّيه فراغًا،

أليس لأن الجهاز العصبي، حين يُستنزف طويلًا،

يفقد قدرته على توليد الإحساس كما اعتدنا عليه؟

يشير الطبيب النفسي المتخصص في الصدمات بيسل فان دير كولك، في كتابه The Body Keeps the Score, إلى أن الصدمة لا تُخزَّن كذكرى فحسب، بل كحالة جسدية مستمرة.

وإن كان الجسد هو من يحمل أثر الصدمة،

فهل يكون هو أيضًا من يتعب عن الإحساس حين يطول الحمل؟

ومن زاوية أدق، يوضح عالم الأعصاب آرثر كريغ في أبحاثه حول Interoception أن الإحساس بالذات ينبع من القدرة على قراءة الإشارات الدقيقة القادمة من الجسد.

فإذا اختلت هذه القراءة،
ماذا يتبقّى؟
هل يختفي الدفء فعلًا؟
أم أننا نفقد فقط القدرة على الشعور به؟
الفهم يهدّئ العقل،
لكن هل يكفي ليوقظ الإحساس؟
وهل الاتصال يُفهم… أم يُستعاد؟

خاتمة الخاتمة

مهما اختلفت المسميات،
عند الفلاسفة والعلماء،
جسد،
مشاعر،
وعي،
روح…
فهي ليست كيانات متجاورة،
بل حلقات في دائرة واحدة.
حلقة تُمسك بالأخرى،
وأي اهتزاز في إحداها
لا يتوقف عند حدّه،
بل يمرّ عبر الدائرة كاملة،
ويغيّر إيقاعها.
وهنا يظل السؤال قائمًا:
هل تجديد الاتصال
يعني ترميم الحلقة ذاتها لأننا نعرفها؟
أم أن بعض التحوّلات
لا تكتمل إلا حين نسمح
لحلقةٍ أخرى
أن تحمل المعنى…
بطريقة مختلفة؟

كاتبة ومستشارة استراتيجية، تؤمن أن الوعي هو أول خطوة في بناء أي كيان ناجح، وأن ما لا يُفهم في الذات، لا يُصلح في المؤسسة