فهد الفيصل.. فضيلة الوعي وبعد النظر
طقس الرياض في الشتاء يغريك بالمزيد من التأمل في المدينة التي تكبرُ يومًا بعد آخر، تشعُ في الليالي كزمردة، وتسرقك شوارعها التي ما إن تدلف في أحدها، إلا وتقبض عليك الدهشة من الجديد الذي يغريك بالتجريب، ويجعل قلبك مشدودًا نحو العاصمة التي تتكئ على الرمال الذهبية، رمالٌ لم يكن أحدٌ يتخيلُ أنها ستكون ما هي عليه الآن، وما ستصيره مستقبلاً!
كُنا نجلسُ على الطاولة الخشبية، والنار المتقدة تبعث فينا الدفء وجذوة السؤال الذي يحيلك إلى التاريخ، كي تعلم أن هذا الجمال لم يبزغ فجأة، بل هو نتيجة عملٍ دؤوب ورؤية حصيفة، صاغتها شخصيات آمنت بمشروع الدولة السعودية، وأخلصوا لها، وجابوا مدن العالم متلمسين عقول الآخرين وتجاربهم، كي يأخذوا بها في بناء مجدٍ تليدٍ قائم على العلم والإنجاز. دارت أقداح القهوة في شتاء الرياض، ونحن نتأمل شوارعها الفسيحة، ليذكرني محدثي بأن خلف هذا الاتساع أميرًا محاربًا مات أبوه باكرًا، وتربى يتيمًا في كنف أمه، لمحَ فيه الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، النباهة والذكاء والبأس، فشمله برعايته مع أبنائه، وحضر مجلسه، وحمل سلاحه تحت رايته في حروبه، وتاليًا أصبح من رجالات الدولة الأوائل، وثقة ملوك السعودية. إنه الأمير فهد الفيصل الفرحان، الذي كان شخصية بعيدة النظر، ساهم في تخطيط مدينة الرياض الحديثة، وشوارعها الفسيحة، وميادينها المزدانة بالجماليات، ومشاريع توسعة النطاق العمراني، وهي الخطوات التي لم يفطن لها كثيرون حينها، إما لموقف اجتماعي محافظ، أو محدودية الرؤية وعدم اعتقادهم أن العاصمة ستكون بالحجم الذي هي عليه الآن! أكثر من ذلك، كان فهد الفيصل يسافر إلى الدول الأجنبية، ويطلع على أحدث تجاربهم ومصانعهم، ساعياً للاستفادة من هذه الخبرات في تطوير السعودية التي كانت في بدايات تأسيسها، مستفيدًا من دعم القيادة، خصوصًا الملك سلمان بن عبدالعزيز، الذي كان أميرًا للرياض ومهتمًّا بتطوير بنيتها التحتية والحضرية.
تاريخ ثري للأمير فهد الفيصل، من المفيد أن يتعرف عليه الجيل الجديد، ليدركوا ما لفضيلة الانفتاح وبعد النظر من أهمية في بناء الدول وتطويرها.
















