آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 1:13 م

الملحد المتدين

سراج علي أبو السعود *

الالتزام على جادة الشرع توفيق من الله سبحانه وتعالى، والناس متفاوتون في مراتب تدينهم وسعيهم إلى الاستقامة. غير أن هذا المسار قد ينقلب، في بعض حالاته، إلى باب من أبواب الغرور، حين يتوهم المتدين أن تقدمه التعبدي يبيح له التعالي على الآخرين ومخاطبتهم بفظاظة بوصفهم خارجين عن الطريق القويم. وفي هذه الحال، شاء أم أبى، يتحول إلى أداة بيد الشيطان، وهو يحسب أن كثرة عبادته ترفع منزلته. فالشيطان لا يهدف في جوهر مساعيه إلا إلى صرف الناس عن مسالك الخير والصلاح المتمثلة في الدين الحق، وحين يصدر هذا الصرف عن شخص متدين في صورة سوء خلق، وشتائم، وكلام قبيح تجاه من يصنفهم منحرفين من عامة الناس، فإنه يحقق للشيطان غايته على أكمل وجه. إذ يجعل الدين، من خلال هذا النموذج، مكروهاً في قلوب الناس، ومنفّراً لا جاذباً. وعند النظر إلى الأثر، لا إلى النيات، فإن هذا النموذج لا يختلف كثيراً عن الملحد الذي يجاهر بعدائه للدين ورسوله؛ فكما يسعى ذاك صراحة إلى صرف الناس عن الدين، يفعل هذا الشيء ذاته وهو يظن أنه يحسن صنعاً.

من بليغ ما أنشده الحجة الشيخ علي الجشي قدس الله نفسه:

ولئن أسرفت على نفسي *** فرجائي في ربي أكبر

فاعمل ذنبا وأمل ربا *** خير عقبى من أن تغتر

فالغرور، كما أعتقد، هو المدخل الأوسع الذي ينفذ منه الشيطان لتحويل المتدين عبادةً إلى ملحدٍ معادٍ للدين سلوكاً. فالشيطان لا يقول للمتدين: اترك صلاتك أو اقطع صلتك بالمسجد، بل يوسوس له بأن يتشدد في غير موضع الشدة، وأن يُغلظ القول على المؤمنين غير الملتزمين، وأن يتعامل معهم بازدراء وسوء خُلُق باسم الغيرة على الدين. لا يقول له: لا تُصلِّ، بل يقول له: أظهر عداوتك للمذنبين من المؤمنين، ولا تحترم ضعفهم، ولا ترَ فيهم إلا الانحراف. وهذه الممارسات، في تقديري، من أخطر أسباب صناعة التيارات المعادية للدين، لا من خارجه بل من داخله. وليس من قبيل المصادفة أن كثيراً من رموز هذه التيارات نشأوا في بيوت علم وتدين، ثم انتهى بهم الأمر إلى معاداة الدين ذاته. والسؤال: لماذا؟ أحد الأجوبة المؤلمة أن القسوة في التربية والبيئة المحيطة، وكذا التحقير المبكر، وبناء الحواجز النفسية باسم الدين، صنعت في قلوبهم نفوراً منه قبل أن يفهموه حق الفهم. هنا الشيطان وفي كثير من هذه الحالات، لم يوسوس للإنسان ليترك الدين، بل وسوس للمتدين ليصرف الناس عنه، فأجاد هذا الأخير أداء الدور وهو يحسب أنه يحسن صنعاً.

أعتقد أن الخلل ليس في التمسك بالدين، ولا في الدعوة إلى الشدة حيث تكون الشدة حقاً، بل في الغلظة التي تُلبس ثوب الغيرة. فبين الثبات على القيم والفظاظة في عرضها مسافة دقيقة؛ فإذا غابت المداراة تحوّل التدين من سلوك هداية إلى مشروع تنفير، ومن دعوة إلى حاجز نفسي. ومن أخطر وأنجح الطرق في صناعة الانحراف عن الدين صناعةُ الشخصية الدينية المنفِّرة للتدين. وليس المقصود بذلك التصفيق للمذنب أو تشجيع الخطأ، وإنما إدراك أن الإنسان البسيط المذنب أحوج ما يكون إلى من يأخذ بيده نحو التدين الحقيقي بأسلوب يحترمه كإنسان، لا يطالبه بأن يكون مَلَكاً. فالأخذ باليد لا يكون بالصراخ ولا بالتحقير، بل بالمنطق، والبرهان، وحسن الأسلوب، والقدرة على الفهم قبل الحكم. أما المتدين الذي يصرّ على التصادم الدائم، وغلظة الخطاب، واستعداء الناس باسم الغيرة على الدين، فليعلم - شاء أم أبى - أنه أداة بيد الشيطان تُستعمل ضد الدين لا له. وحين يرى ملحداً أو نافراً أو متمرداً، فليحتمل أن سلوكه كان أحد أسباب صناعة هذه النتيجة.