آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 1:17 م

حكمة اليوم

المهندس أمير الصالح *

يستمتع ويتفاءل ويحرص أغلب الناس باستفتاح يومه عبر قراءة حكمة قصيرة ورصينة وسهلة الحفظ وقوية الدلالة ومهذبة للسلوك ومغذية للعقل والبصيرة ومحفزة لحياة أفضل. فالحكمة، باختصار، وضع الأمور في نصابها الصحيح، وهذا جلُّ ومحور وخلاصة القرارات الصائبة. مع تقادم الأيام والسنين، أخذت معظم الصحف الرقمية والورقية ومنصات البحث الإلكترونية بإدراج «جملة اليوم - Quote of The Day». هل تساءلت يومًا: لماذا حِكم فلان وجُمله وحتى مواقفه أصبحت مغمورة ومغيبة، وحِكم علان وأقواله وشعره وحتى تعابير وجهه أصبحت جدًّا مشهورة ومحل جذب لأبناء الجيل الصاعد.

الإعلام ركيزة

شئنا أم أبينا، فإن الإعلام بكل صنوفه أضحى ركيزة أساسية في نقل المعلومات وتمرير السرديات وتشكيل الأفكار وصياغة حدود ردود الأفعال وتعميق المفاهيم… إلخ.

أمر ملفت أن ترى شبابًا شغوفًا بالقراءة، ولكنه عديم الحكمة أو الاقتباس من أهل الحكمة. وإن وجد حكمة مدفونة في ثنايا كتاب من خلال قراءاته للكتب الصادرة من الشرق والغرب في الأدب العالمي، طار بها فرحًا ظنًّا منه بأنه حاز كنزًا نفيسًا. ويغفل أو يتغافل عن بحور الحكمة في تراثه العلمي والأدبي والديني.

خذلان الأتباع

بعض الأتباع لحكيم ما، أو لرسول ما، أو لقائد تاريخي ما، يخذلونهم بسبب فقر إنتاجهم أو كسلهم عن الكتابة، أو سكوتهم عن التعليق بأدب وسلاسة وإقناع، أو عدم ترويج سرديات وحِكم قادتهم، أو نتيجة لقمع تاريخي وقع على الماضين ممن يحملون ذات القناعات، أو خذلان البعض للبعض تحت اسم رئاسة المشهد، أو الأنانية المفرطة وحب الذات.

تجيير وسرقة الحِكم

حتما، فإن البعض ممن دأب على قراءة الحِكم بشكل شبه يومي على مدى سنوات، يُذهل مع طفرة عدم الأمانة العلمية في العالم الرقمي، بانتحال أقوال حكيمة لأناس لم يُعرفوا بالحكمة ولا بالعلم ولا بالشجاعة، وإنما عُرف عنهم التهور والغرور وعدم الأناة. هذا التزوير التاريخي المتعمَّد هو ضمن نطاق المغالطات في السردية والأحداث والشخصيات والتضليل والارتزاق من قبل بعض الكتّاب. وهذا العمل التخريبي هو مصداق عملي لنظرية «أكذب… أكذب… حتى يصدقك الناس»، وخيانة للأمانة العلمية. ولكون المعنيين بالإنتاج العلمي الرصين تقوقعوا أو تخاذلوا أو حُجبوا، أو لم يهتدوا لسبل الإعلام الفعالة، ولم يتصدروا في دفع الشبهات، نتج - وسينتج - نسبة كبيرة من أبناء الأجيال القادمة غرباء في الهوية والانتماء والقدوة، ضحليّ المعرفة بالأمور.

الأثر يدل على المسير

الحكمة تكون أكثر مصداقية أن صدرت من أهل الحكمة والعلم والبصيرة الثاقبة والتقوى والشجاعة وأهل المواقف المحمودة. لا يمكن أن نصدق أي إنسان مدّعٍ بأنه حكيم لمجرد أن قال جملة موزونة الكلام، أو نُسبت له أقوال تدل على معنى طيب وقد تكون مسروقة. وفي ذات الوقت، تكون مسيرة حياة القائل مليئة بالفجور ومجالسة السفهاء، والتجرؤ على محارم الله، أو الطيش وعدم الأناة، وقلة البصيرة والبخل والرياء وانعدام التوازن.

إنسان الحكمة له بصمات وآثار ومواقف مستقرة وواضحة وغير متقلبة، ومطابقة للمبادئ، ويستمد منها أبناء آدم المُثل والقيم والنموذج الإنساني الراقي في التعامل مع كل مراتب المجتمع والمحيط والبيئة والشجر والمدر والحجر، وحتى العدو قبل القريب. شخصيًا تعرفت من خلال القراءة لبعض حِكم النبي محمد ﷺ في الأحاديث قطعية الصدور عنه، وتعرفت على بعض حِكم علي من خلال قراءة قصار الحكم الواردة في كتاب «نهج البلاغة» وكتاب «ميزان الحكمة»؛ فرأيت الصورة الناصعة لحقيقة الإنسان المؤمن الورع التقي الكريم الفطن الصبور الرحيم الودود الشهم الشجاع الشاكر البار. فخلّد الله ذلك لمحمد ﷺ وآل بيته، فجعله قرآنًا يُتلى في سورة الإنسان: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا [الإنسان: 22].

الحكمة نعمة، ومن أوتيها فقد أوتي خيرًا كثيرًا، ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [البقرة: 269].