حالة تأهب.. المطر كما تعلمه الجسد
علاقتي بالمطر لم تكن رومانسية أصلًا ولم تبدأ من دفاتر العشاق ولا من الغزل ولا من زجاج النوافذ ولا من بهجة البرّ.
المطر في داخلي هو حالة تأهب دائمة.
وحين تبدأ السماء بالطرق والهطول أعرف أن يومي لن ينتهي عند المساء وأن الليل سيمدد قامته فوق ظهري ويأخذ الليل مساحته منّي.
ربما يعود ذلك إلى أيام كنا صغارًا وإلى تلك السنوات التي كان فيها المطر يعني انقطاع الكهرباء وانطفاء الضوء فجأة وامتلاء الشوارع والأزقّة به وتجمع العائلة حول شمعة واحدة أو فانوس صغير حذرًا لا خوفًا. وربما يعود إلى ما بعد الطفولة حين صارت السماء زميل عمل ثقيل الظل كلما أفرغت جيوبها امتلأت هواتفنا بالبلاغات وامتلأت الشوارع بأسئلة لا تنتظر الإجابة.
كنت أعمل في شركة الكهرباء. والمطر في تلك الوظيفة ليس شاعرًا. هو امتحان عملي مفاجئ بلا أوراق مراجعة.
سلك يسقط. محول يتعب. عمود يتخاذل. خط أو عدة خطوط تنطفئ فيلهث المنقذ لإصلاح العطب الذي فعله المطر.
والمدينة التي لا تتذكرنا في الأيام العادية تصرخ بأسمائنا دفعة واحدة. أغيثونا… وكأني أسمع صرخات طلب المساعدة في بلدتنا إذا ألمّت بها حادثة بقولهم: «يا عيال مضر… يا الفوق».
لم أكره المطر ولم أصل إلى هذا الحد من القسوة.
كنت أؤمن - وما زلت - أنه نعمة وخير وبركة من الله سبحانه وتعالى وأن الأرض لا تبتهج ولا تخصب إلا بعده. المشكلة سكنت الجسد. جسد تعلم أن يقرأ الغيم إرهاقًا والرائحة الرطبة سهرًا والبرد انتظارًا طويلًا على قارعة طريق مظلم حتى صار ينكمش غريزيًا مندسًّا تحت بطانية البيات الشتوي.
في أحد الأيام وبعد سنوات من تركي تلك الوظيفة هطل المطر بغزارة غير متوقعة. كنت في البيت فلا بلاغات ولا زي رسمي ولا جهاز للطوارئ ولا أن تكون تحت الطلب حال الطوارئ. فقط أنا ونافذة مفتوحة نصف فتحة وكأس شاي نسي نفسه على الطاولة.
قالت لي زوجتي، وهي تشير إلى النافذة:
- أغلقها الريح ستدخل.
توقفت.
لم أفعل.
لا أعرف لماذا تذكرت فجأة فكرة قديمة، فكرة مرت علي يومًا ولم ألتقطها:
أن بعض الأبواب لا تفتح للهواء فقط فهو يأتي لما قد يحمله معه.
وأن الريح - حين تدخل - لا تكون دائمًا عابثة فأحيانًا تأتي كمرشد للحياة بنعمٍ وأفكار وتأملات وتطلعات تخلق السعادة والإبداع وتأخذك من كتفك إلى زاوية لم تنتبه لها من قبل.
جلست أراقب المطر. لم أطلب منه أن يكون لطيفًا، ولم أفرض عليه رومانسية لا يشبهها. تركته كما هو وتركت نفسي كما أنا.
وفجأة أدركت أمرًا بسيطًا ومربكًا:
أن كآبتي… نعم - كآبتي كلّها - لم تكن بسبب المطر وإنّما بسبب استعجالي الدائم لنهايته.
كنت أريده أن ينتهي كي أرتاح، ولم أفكّر يومًا أن أرتاح فيه… وأن أتذوقه.
في تلك الليلة حاولت أن أنام ولم أنجح سريعًا.
ليس لأن القلق عاد ولكن كون الذاكرة قررت أن تتمشى وتتغزل.
الليل حين يطول لا يفعل ذلك عبثًا فهو يريد أن يريك ما تجاهلته في الضوء.
تقلبت قليلًا وضحكت من نفسي.
كم من مرة ظننت أن النوم هروب فإذا به مواجهة تُركت لوقت آخر؟
وكم من مرة حسبت أن الإرهاق وحده يمنع الغفوة بينما الشوق الصغير غير المكشوف هو الذي يبقي العين مفتوحة؟
أدركت أن بعض الناس لا ينامون لأنهم متعبون، ولكن لأن في داخلهم رغبة لم تجد شكلها بعد.
في الصباح لم تتغير السماء كثيرًا، لكنني تغيرت قليلًا.
خرجت ومشيت تحت المطر بلا مظلّة لا تحديًا ولا فلسفة. فقط تجربة.
ضحكت حين انزلقت قليلًا وضحكت أكثر حين تذكرت كم كنت آخذ نفسي بجدية زائدة.
المطر لم يصبح صديقي، لكنه توقف عن كونه خصمي.
ومنذ ذلك اليوم صرت أترك بعض النوافذ مفتوحة للهواء وللفكرة التي قد تدخل فجأة وتغير ترتيب الأثاث الداخلي فينا.
تعلمت أن الكآبة كانت في طريقة استقبالنا للجو، وأن الفرص لا تأتي دائمًا في ظروف مثالية فأحيانًا تأتي في هيئة ريح باردة ومطر ثقيل وباب لم نغلقه في الوقت المناسب.
ومنذ ذلك الحين - حين تمطر - لا أبتهج تلقائيًا ولا أعبس أيضًا.
أقف في المنتصف.
وهذا بحدّ ذاته تقدم كبير.
















