من أنتم؟
هل سمعت مثل هذه الجمل:
”العبادات تنقسم إلى فقهية ومعاملاتية «سلوكية». العبادات الفقهية هي التي تتعلق بتشخيص أحكام العبادات مثل أحكام الصلاة، والصوم، والحج... إلخ. والعبادات السلوكية هي المعاملات مع النفس والأسرة والمجتمع والآخرين والدولة وأصحاب الملل الأخرى والأطياف الفكرية المتعددة. الزهد مرتبة من مراتب السلوك الحسن“.
حتمًا إنك سمعتها، ولكن راودك ويراودك شك، بل ويقين في صدق بعض من يرددها؛ لأنك رأيته لا يتورع عن البهتان والكيد وإيذائهم، وحتى التحريض على الاعتداء على حرماتهم من دم، ومالٍ، وأعراض. أو أنك رأيت من يحدث المجتمع عن فضل الزهد في الدنيا، وهو يركب أفخم سيارة، ويقطن في أكبر منزل، ويأكل ما طاب ولذَّ، ويهرع لاستجابة دعوة الأغنياء، ويصدّ عن حضور ولائم عامة الناس.
وقد يكون لذات الشخص الذي استمعت لوعظه حضور في أندية فكرية ومجتمعات عالمية في دول عربية وأجنبية، فسمع كلامًا مثل: ”إطعام فقير جائع خير من تشييد ألف جامع“. وفي الوقت نفسه رأيت ذلك الشخص المتحدث بتلك الجملة لا يتوانى عن مجالسة الفساق وأهل الرذيلة؛ وليس لديه إلا المناكفة للجامع ورواد الجامع! وأضحى واضحًا لديك أن ذلك المتحدث يحمل ضغائن ضد أهل القبلة «إسلاموفوبيا»، ولا يعنيه فقير في إفريقيا، ومعدم في آسيا، ولا مشرد في أوروبا، ولا ضحايا حروب في الشرق الأوسط، ولا... ولا...
الغريب أن كلا الطرفين «ذاك المتحدث بالتقوى والزهد، وذاك المتحدث العلماني عن إطعام فقير» يدعيان أهمية السلوك الإنساني المحترم، سواء زهدًا وتقوى أو إطعام جائع؛ ولكن واقع الأمر أن هناك حربًا ضروسًا بينهما لإطاحة كل طرف بالآخر والكيد له تحت مسميات وعناوين مختلفة.
السؤال: هل يستشعر الغيارى حقائق الأمور وبوصلة الحقيقة، ليتجنبوا، ويتجنب المجتمع المبتلى، المزيد من التمزق والانقسام والتشرذم؟ وهل يتصدر أهل الفكر العملي، والساعون على الحفاظ على كيان مجتمعاتهم، بإطلاق مبادرات حوكمة، وبكشف حقائق الأمور، ووضع القاطرة على السكة الصحيحة؟
المؤسف أن كثيرًا من الحوارات ببعض المجالس تُدار بطريقة: ”ما رأيك؟“ لاستنطاق ما في جعبة من يُوجَّه له السؤال، ومن ثم برمجة تصنيف انتمائه وأفكاره. ولذا أخذ معدل الاعتزال بين صفوف أهل البصيرة نحو جميع الأطراف المتماحكة لبعضها البعض في تزايد ملحوظ. فهل تمت الإجابة عن تساؤلات مثل: ما هو الذي تريدونه، ومن تريدون أن تخدموه؟! ما هو برنامجكم الفكري والإيماني والاقتصادي؟! بل من أنتم؟!
المطلوب:
البحث عن الأصدق قولًا وفعلًا وعملًا وتضحية؛ لأن الأقوال سهلة الصياغة، ولكن الالتزام والانضباط بمثابة تمحيص للسلوك الأنجع. حتمًا، ومن الواقع المعاش، يصرف عدد كبير ممن يحبون أن يسموا أنفسهم متشرعين أوقاتهم في تعلم الأحكام الفقهية في الصلاة والصوم والحج؛ وعددٌ منهم ليس بالقليل يتهرب من أبسط آداب المعاملات «السلوك» مع زوجته وأبنائه ووالديه وجيرانه ومجتمعه. وكذلك عددٌ ليس بالقليل ممن يدّعون أنهم علمانيون يسارعون إلى التشنيع بعد رصد هفوات الآخرين، لا سيما المتدينين، والكيد للآخرين والتقليل من آرائهم.
في أي مجتمع يُشخَّص فيه عراك التيارات على المجتمع، فإن إفراز من يخدمه ويسعى لإنجاز مصالحه، ويحصن هويته، ويدفع الأذى عنه، ويحصنه من براثن الوهم والوهن، والكسل، هو الأجدر بالتفاعل معه.

















