آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 1:17 م

بعبع من نوع آخر

سوزان آل حمود *

يُعدّ التعليم، في أسمى صوره، رسالة نورانية قبل أن يكون مجرد وظيفة، فالمُعلّمة هي الحارس الأمين على براءة الجيل القادم، والشريك الأقوى في صياغة عقوله ووجدانه. ويتطلب هذا الدور النبيل التزامًا مطلقًا بالرحمة والحياد وحفظ أسرار الطلاب، لكن، ما العمل حين تُباع هذه الرسالة بثمن بخس وتتحول القائدة داخل الفصل إلى مصدر للسموم الفتّالة؟

إن المقال الذي بين أيديكم ليس مجرد كلام عابر، بل هو صرخة مدوّية لأهالٍ يائسين، تكشف عن واقع مُفجع داخل جدران الصفوف. لقد تحوّل الفصل الدراسي إلى حلبة قلق وإرهاب يقودها نموذج لمعلّمة من بين العديد من المعلمات التي تملك الكفاءة العلمية، لكنها تفتقر تمامًا للحد الأدنى من الأخلاق والاتزان المهني.

سأتحدث عن نموذج واحد من عدة نماذج لا تختلف كثيرًا عن هذا.

ومن المفارقات المؤلمة أن المُعلّمة التي نتناول قصتها اليوم تتمتع بتمكّن في مادتها، فهي قادرة على إيصال المعلومة ببراعة. لكن، هذه القوة المعرفية تقابلها فوضى أخلاقية ومهنية مُزلزلة، لتصبح كفاءتها مجرد قناع يخفي وراءه سلوكيات تدميرية.

لقد تجاوزت هذه المُعلّمة كل الحدود، ولم تكتفِ بالدور التعليمي، بل نصّبت نفسها سلطة ترهيبية وتجسسية. إنها لا تسعى للتوجيه، بل لحشر أنفها في خصوصيات الطالبات، متطفلةً على أدوار التوجيه والإرشاد، ومحاولةً فرض سيطرتها المطلقة، مما يُشير إلى هوس بالتمركز والسلطة خارج نطاق مسؤوليتها الأساسية.

الجانب الأكثر خطورة هو تحويلها الفضاء التعليمي إلى ساحة للنميمة والتجسس وتداول الأسرار. لقد اتخذت على عاتقها التنقيب عن خصوصيات الطالبات وأسرارهن، ثم نشرها بكل وقاحة بين زميلاتها! والأدهى من ذلك، أنها تستخدم أسلوب النقل الكاذب والمُزيّف لزرع بذور التفرقة والشقاق بين الإدارة وبقية الكادر التعليمي، في محاولة بائسة لتظهر ك ”الحارس الأمين“، بينما هي في الحقيقة مصدر الفتنة والانقسام الذي يهدد استقرار بيئة العمل.

هذا السلوك يشي بأن اضطرابها الشخصي بات يُدار في غرفة الصف. فحياتها الخاصة المضطربة والفاقدة للسكينة، بدلاً من أن تُحتفظ بها لنفسها، اختارت أن تُسقط فوضاها على الطالبات، لتأتي إلى المدرسة لتمارس دور ”البعبع“، مُثيرةً المشاكل وتحويل الحصص من واحة للعلم إلى حلبة قلق متواصل وتهديد للطالبات بأسلوب مستفز.

النتيجة المُباشرة لهذه البيئة المسمومة هي نفور مطلق لأغلب الطالبات من حصصها. وتكتمل المأساة حين نجد أن الإدارة تقف عاجزة ومشلولة أمام هذه الحالة! فلسانها السليط وقدرتها على فرض الرأي بالصوت العالي جعلتها بمثابة قنبلة موقوتة يخشى الجميع الاقتراب منها. لقد أصبحت، وبكل معنى الكلمة، كابوسًا يُهدد مستقبل بناتنا ويُزلزل الثقة في المنظومة التعليمية.

هل نترك ”تنشئة الجيل“ لمن هم فاقدين للاتزان؟

إن المُعلّمة التي تحوّل المهنة إلى كابوس هي خيانة كُبرى للثقة التربوية. إنها ليست مجرد حالة فردية، بل قوة تدميرية تفتك بأعز ما نملك: سلامة البراءة ودافعية التعلم.

هنا يكمن السؤال الوجودي والأكثر أهمية: كيف يمكن لجودة المادة العلمية أن تنهار بهذه السرعة أمام رداءة الروح وفساد السلوك؟

إنه لزامٌ على الجهات المسؤولة أن تُعيد النظر في معايير التوظيف، ف ”الضمير المهني لا يُكتب في المناهج، بل يُنقش في الوجدان“. يجب أن يكون هناك تاريخ مُسبق وخلفية كاملة عن ماضي وسلوك كل مُرشحة، لأننا نضع بين يديها تنشئة جيل كامل. ف ”الصمت عن اللسان السليط“ هو ثمن باهظ يدفع ثمنه مستقبل بناتنا.

إنهاء هذا الكابوس ليس رفاهية، بل واجب وطني وتربوي لا يحتمل التأجيل. يجب محاسبة جميع السلوكيات السامة للمعلمات وفق اللوائح الوزارية دون أي تردد، مع ضمان عدم منح أي فرصة لـ ”الانتقام البغيض“ من الطالبات بالدرجات أو إلقاء كلمات مسمومة للطالبات داخل الصف، المدرسة يجب أن تبقى منارة للأمان والثقة، لا مصدر خوف ورعب تغذّيه النميمة والترهيب!