آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 1:17 م

الاستحقاق الذاتي

ياسين آل خليل

نعيش وكأن حياتنا مؤجَّلة. لا لأننا لا نملك الوقت، بل لأننا لا نمنح أنفسنا الإذن بأن نستمتع باللحظة. نؤجّل الراحة إلى ما بعد الإنجاز، ونعلّق الطمأنينة على شروط لم تتحقق بعد، ونتعامل مع الحاضر كمرحلة عبور لا تستحق أن نُقيم فيها طويلًا.

نقيس قيمتنا بما نُنجزه، لا بما نعيشه. نتعامل مع النفس وكأنها مشروع يحتاج إلى إثبات مستمر، لا كإنسان يستحق الحضور والاهتمام الآن. فنمضي أيامنا في حالة استعداد دائم، ننتظر اللحظة التي نشعر فيها أننا أصبحنا ”كافين“ لنبدأ العيش. ننتظر طويلا.. لكن تلك اللحظة قد لا تأتي.

إذن، ياترى ما الذي نؤجّله فعلًا..؟

نحن لا نؤجّل فرحنا للحصول على أشياء محددة بعينها فحسب، بل نحن نؤجّل الإذن الداخلي الذي يدفعنا إلى المضي قدما في الحياة. نحن نؤجّل الاعتراف باستحقاقنا الذاتي لأننا نشعر بأن ما نحن عليه الآن.. ليس كافٍ لأن نُعامل أنفسنا بإنسانية، وباحترام، وبقدر من اللطف.. أو أن نعطي لأنفسنا الضوء الأخضر بأن نعيش اللحظة دون تأجيل..!

نقسو على أنفسنا بحجّة الطموح، ونؤخّر الاعتناء بها باسم المسؤولية، ونقمع حاجاتها خوفًا من أن يُساء فهمنا. نخلط بين الانضباط وإنكار الذات، وبين الجديّة وحرمان النفس من أبسط حقوقها. وهكذا، يتحوّل الاستحقاق إلى مكافأة نمنحها لأنفسنا عند الإنجاز، لا أثناء الطريق. نكافئ ذواتنا على النتائج، لا على المحاولة، ولا على الصبر، ولا على الاستمرار في أيام لم يكن فيها الاستمرار سهلًا.

الأخطر من ذلك أننا نربط قيمتنا بما ننجزه، لا بالكيفية التي نعيشها. فإذا تعثّرنا، سحبنا من أنفسنا الإذن. وإذا أخطأنا، شككنا في أحقيتنا. وكأن الخطأ دليل نقص، لا جزءًا أصيلًا من التجربة الإنسانية.

في هذا السياق، يصبح الحاضر دائمًا غير كافٍ، وتصبح الذات مشروعًا مؤجّلًا. نعيش بنصف حضور، وننتظر لحظة وهمية نكون فيها ”جاهزين“ للحياة. لكن الحقيقة الصامتة التي نتجاهلها هي أن الإحساس بالاستحقاق لا يأتي لاحقًا. لا يتشكّل في نهاية الطريق، ولا يُمنَح بعد الاكتمال. إنه قرار داخلي، إمّا أن يُتَّخذ الآن، أو لا يُتَّخذ أبدًا.

أن تشعر بأنك تستحق، لا يعني أن تتوقّف عن السعي، بل أن تتوقّف عن معاقبة نفسك أثناء السعي. أن تسمح لنفسك بالتنفّس دون أن تشعر بالذنب، وأن تفرح دون تبرير، وترتاح دون خوف. نحن لا نحتاج أن نكون نسخة أخرى كي نبدأ العيش..! نحتاج فقط أن نتوقّف عن تأجيل الإذن لأنفسنا بأننا في أتم الاستعداد لنبدأ عيشنا. فالحياة لا تُمنح لاحقًا.. إنها تُعاش حين نكفّ عن إنكار استحقاقنا لها الآن..!