آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 1:17 م

من قتل العربية؟

رائدة السبع * صحيفة اليوم

في كل اجتماع عائلي أسبوعي، أسمع الإنجليزية تتحدث من كل زاوية.

وكأن أبناء العائلة وُلدوا لآباء وأمهات لغتهم الأم الإنجليزية، ويحدث هذا في مراكز التسوق والمقاهي. وعندما نطلب منهم التحدث بالعربية، يكسّرون المفتوح، يضمّون المسكون، ويذكّرون المؤنث.. كل القواعد كما لو كانت لعبة صعبة.

هل ستزول لغتنا مع تقادم السنوات إذا ما وجدنا حلولا جذرية؟

شاركت مخاوفي مع إحدى المهتمات، وتساءلت بصراحة: هل نستطيع إنقاذ ما يمكن إنقاذه من لغتنا؟

منذ نعومة أظفاري أحببت اللغة العربية، وأسرني جمالها ومفرداتها، وسحر حروفها التي تحمل معانٍ قبل أن تُنطق. كنت أقرأ وأكتب، وأتأمل الكلمات وهي تتراقص على الورق، وأشعر بالبهجة قبل أن أفهم معناها.

العربية، حتى في زمن العولمة وصخب اللغات الأخرى، لا تزال تحتفظ بقدرتها الفريدة على إنتاج الفرح والمعنى معًا. يكفي أن نتأمل كلمة «بهجة»، حيث لا تكتفي العربية بوصف المشاعر، بل تمنحها صوتًا، شكلًا، وحركة. الباء انفجار خفيف يفتح المعنى، الهاء هواء وانبساط، والجيم قفلة دافئة، كأن الفرح في العربية يُقال قبل أن يُشعر به.

الحروف العربية ليست رموزًا جامدة، بل كائنات لها طبائعها النفسية. الألف وقوف واتزان، الباء احتواء، الميم دفء، النون أنس وامتداد. من هنا يطرح السؤال: هل تصف العربية مشاعرنا كما هي، أم تصنعها فينا؟ حين نقول «بهجة»، ينفتح الفم، يهدأ النفس، ويستقر الصوت، فتتحوّل اللغة نفسها إلى مولّد للفرح، لا مجرد أداة للتعبير.

حتى لو تغيّرت الأجيال، تبقى العربية حية في حروفها، قادرة على تحويل الصوت إلى شعور والكلمة إلى بهجة. وفي يوم اللغة العربية، يحتفي المرء بهذه القدرة الفريدة: أن يكون الحرف بيتًا صغيرًا للفرح، وأن تبقى اللغة وسيلة لإشاعة السعادة قبل أن نشرحها، وأن تصنعها فينا دائمًا، مهما تغير الزمن حولنا.

ومضة

يقول أحمد شوقي:

إنَّ الذي مَلأَ اللُّغاتِ محاسنًا
جَعَلَ الجَمالَ وسِرَّهُ في الضّادِ

أما ابن جني فقال:

لُغَةٌ إذا وَقَعَتْ على الأسماعِ
كانَ لها في القلبِ دَويُّ السِّحرِ

كل عام والعربية سيدة اللغات