عبد الله القديحي.. بوصلة صلة الرحم
الإنسان في الرؤية الإسلامية ليس كائنًا منعزلًا، بل هو جزء من شبكة إنسانية متداخلة تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المجتمع كله، وصلة الرحم هي الحلقة الأولى والأهم في هذه الشبكة.
وقد دلت النصوص الدينية الكثيرة على أهمية صلة الرحم، فالآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، جاءت على قِسْمَي التأكيد على هذه الخصلة والتحذير من قطع الرحم.
فصلة الرحم تحتل مكانةً رفيعة، بوصفها مظهرًا من مظاهر الإيمان الصادق، وتجليًا عمليًا للأخلاق التي أرادها الإسلام لبناء الفرد والمجتمع.
وجاء التأكيد على صلة الرحم في مواضع متعددة من القرآن الكريم، مقرونة بالإيمان بالله وتقواه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1]، وغيرها من الآيات الكريمة التي تبين أهمية هذه الخصلة.
وفي مقابل ذلك، توعد الله قاطعي الأرحام بأشد الوعيد، فقال سبحانه: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: 22].
كما وردت الروايات في الحث عليها، كما ورد عن الإمام جعفر الصادق
: «صلةُ الأرحامِ تُحسِّنُ الخُلُق، وتُسَمِّحُ الكَفَّ، وتُطَيِّبُ النَّفس، وتزيدُ في الرِّزق، وتُنسِئُ في الأجل».
وفي مقابل ذلك تبث الثقافة المادية المنتمية للحضارة الغربية أفكار الفردانية، وأن الإنسان هو المحور بعيدًا عن أي صلة أسرية أو اجتماعية.
وهنا يأتي دور العارفين بأهمية معرفة الأرحام كمقدمة لصلة الرحم التي حث عليها الدين الإسلامي.
ومما تميز به الفقيد السعيد الحاج عبدالله معتوق القديحي رحمه الله حرصه على هذه الحالة وتشبثه بصلة أرحامه، فقد دعا أكثر من مرة لتجمع الأرحام في مناسبات عدة، وكان يقوم بتعريف الأفراد بعضهم ببعض، وصلة النسب، ويكشف ما خفي من نسب بسبب أن العلاقة من جهة الأم.
ومن حضر الدعوات الخاصة في منزله كأيام الأعياد أو زيارة الحاجة أم الشيخ حسين المعتوق يشاهد حبه وحرصه على حضور الجميع صغيرهم وكبيرهم، رجالهم ونسائهم، وسؤاله عن الغائب ولماذا غاب، ولا يقبل إلا العذر الذي لا مرد له.
وكذلك زيارته للمريض منهم، فتجده من أول السائلين والزائرين.
وكنت أراه يزور والدتي رحمها الله ويسأل عنها كلما رآني، وأمي ترتبط معه من جهة أمه حيث إنها ابنة خال الوالدة رحمهم الله جميعًا.
وكذلك كانت علاقته بوالدي رحمه الله، وقد بكاه ورثاه في وفاته بشعر حزين مؤلم.
وبذكر الوالد الحاج أحمد الدخيل أبو عبد السلام أذكر هذا الحوار الذي جرى بيني وبين المرحوم أبا محمد، فقد ذكر في رثاء والدي أنه كان أمينًا نقيًا طاهر اليد.
فسألته بعد ذلك بمدة، هل كان كلامه مجاملة أو مدحًا لصديق؟
فقال: لا، بل كان واقعًا.
وأضاف: لقد كان أبوك في مكان يستطيع أن يستغني «يكون غنيًا» لكنه استغنى بالحلال عن الحرام.
رحم الله الحاج عبدالله القديحي وأسكنه فسيح جناته مع محمد وآله الطاهرين، وربط على قلوب الفاقدين بالصبر والسلوان.

















