فُرات… أكثر ممّا ظننت
كان ابني يرتب الأشياء ويجهزها قبل ولادة زوجته كما يفعل أي أب ينتظر مولوده الأول بشوق وفرح. كأن اليد حين تنشغل تخفف عن القلب ثقل الترقب. كان يعيد ترتيب ما هو مرتب أصلًا ويراجع ما لا يحتاج مراجعة ويقف فجأة في منتصف الغرفة كمن نسي شيئًا مهمًا ثم يكتشف أنه لم ينسَ شيئًا سوى أنه ينتظر.
كنا نراقبه وننتظر معه رحمة الله ونعمته وهبته التي لا تقاس. الفرح كان حاضرًا في قلوبنا جميعًا لكنه فرح متماسك يلهج ويريد أن يصرخ شكرًا وحمدًا لله سبحانه الواهب الرزاق دون أن يسبق المشيئة. شيء يشبه وقوف العائلة كلها عند حافة يوم تعرف أنه آتٍ بإذن الله ولا تريد أن تفسده بالاستعجال. الحديث يدور ثم يتوقف فجأة ثم يعود من نقطة أخرى وكأننا نخشى أن ننطق بالجملة التي قد تعجل اللحظة.
ثم جاءت اللحظة.
لا مقدمات… لا إشارات سوى احساس الانتظار والفرج.
ما إن وصل خبر الولادة حتى انهار الترقب دفعة واحدة وسقطت معه كل محاولات الاتزان. لم يركض أحد لأننا اتفقنا على الركض فركضنا ورقصنا لأن الفرح لم يترك لنا خيارًا آخر. بهجة وسعادة انفجرتا بلا ترتيب فأيدٍ ارتفعت وأصوات تعثرت من شدة السرعة ”صلوات“ فأحدهم رقص فعلًا لا مجازًا، وآخر ظلّ يكرّر الخبر كمن يريد تثبيته في الهواء: إيييييه ولدت… ولدت.
عندها فقط فهمت بيتًا كنت قد كتبته ولم أعرف زمنه بعد:
لي فُرَاتٌ أنهَرتْ قلبَ العِمَادْ
وبها الأبوابُ مرسى للفؤادْ
البيت تحول في دقائق. أبواب تُفتح ثم تُغلق بلا سبب ومفاتيح يبحث عنها وهي في الجيب وجمل كلام تُقال ثم تُعاد بصيغة أخرى وكل هذا الارتباك كان ذروة انتظام داخلي غير فوضوي وكأن القلب حين امتلأ أكثر من اللازم دفع الفرح إلى الأطراف فضح البيت نغمًا وطربًا.
تسابقنا إلى المستشفى. نريد أن نراها بسرعة الشوق والسعادة وأن نطمئن على الوالدة ونتحمل لها السلامة وأن نضع أعيننا على هذه الحقيقة الجديدة ولنتأكد أنها ليست فكرة جميلة فقط وإنما حياة صغيرة تنبض.
هناك - في الممر - لم نكن نعرف كيف نمشي فالخطوات أسرع من اللازم وثم أبطأ من اللازم والوجوه تجمع بين لهفة لا تخفى ومحاولة فاشلة لتماسك الشوق والفرح.
وحين فتح الباب - وحين رأيناها - لم نحتج إلى أي تعليمات.
فرات.
الاسم سبق النداء واستقر.
عذوبة لا تحتاج مقارنة بحضور في القلب والروح والأثر.
وكأن كل ما سبق من ترتيب وانتظار وترقب كان تدريبًا طويلًا على هذه اللحظة وحدها:
اسمُكِ العذبُ — أيا نبضَ المُنى—
يجعلُ الأيامَ خُضرًا ورغادْ
الأب وقف مشدوهًا لا يعرف أين يضع يديه - ارتباك ولادة وحياة جديدة - ولا كيف يبدي فرحه دون أن يفضحه التأثر. والأم هناك - متعبة ومضيئة في آنٍ واحد - كأن التعب نفسه صار شرفًا.
أما أنا — الجد — فشعرت بشيء لم أختبره بهذه الصورة من قبل فالعمر لا يحسب بعدد السنين، فهو بعدد المرات التي تُفاجَأ فيها بأن قلبك ما زال قادرًا على هذا الاتساع تحسب وعلى استقبال هذا المقام بما يليق به.
إبنةُ الإبنِ التي لمّا أتت
أزهرتني بشبابٍ واتقادْ
عدنا إلى البيت ولكن البيت لم يعد هو نفسه. لم يتغير شكله ولم تتبدل جدرانه غير أن وظائفه تغيرت. الغرفة التي كانت تغلق بلا انتباه صارت تفتح بحذر والصوت يراجع نبرته قبل أن يخرج، والمزاح لم يختفِ ولكنه صار أرق وكأنه تعلم فجأة أن الحياة تحمل على أطراف الأصابع.
بعض النعم لا تأتي لتُرى فقط بل لتُربّي من حولها على مستوى أعلى من الانتباه، والمسؤولية، والفرح الجميل.
وإذا البيتُ بميلادِ الندى
صار للدارِ صفاءٌ واعتمادْ
في تلك الليلة لم أحتج إلى كلمات كبيرة. قلت في داخلي جملة واحدة ثم تركتها تعمل بهدوء:
ما زال في القلب متسع… وأكثر مما ظننت.
وعرفت عندها أن اسم فرات لم يحمل نهرًا في حرفه واسمه فقط إذ أدخل نهرًا كاملًا إلى البيت لا يُرى ولا يُسمع لكن كل شيء بعده صار ألين وأنقى وأصدق وأقرب إلى الحياة.
صَانَكِ اللهُ بحفظٍ وَهُدًى
وبلطفٍ وارتقاءٍ للمرادْ
















