آخر تحديث: 7 / 3 / 2026م - 4:53 م

القائمة المحظورة وسلامة التفكير

سراج علي أبو السعود *

تشكل التجربة نصيبًا مهمًا في تشكيل الوعي. ورد في الأثر: «من شاور الناس شاركهم عقولهم». فخبرة الآخرين تختصر على الإنسان كثيرًا من التجارب. فلو أردت الذهاب إلى منطقة ما، وكان لها طريقان، ثم أخبرك شخص مجرِّب بأن أحد الطريقين مليء بالمناطق الوعرة، فمن الحكمة أن تضع هذا الطريق - ولو مؤقتًا - ضمن قائمتك المحظورة. فالعاقل لا يعيد اختبار ما ثبت ضرره كل مرة، بل يبني قراراته على التجربة الموثوقة. والحال نفسه حين يرشدك الدليل إلى مؤلف ما، أو صحفيًا بعينه، اعتاد الكذب أو ترويج الأكاذيب؛ فمن العقل أن يوضع هذا المؤلف، وذلك الصحفي، في القائمة المحظورة. ليس لأن الإنسان يمنع نفسه من المعرفة، بل لأنه يقي عقله من أن يبدأ التفكير من مقدمات فاسدة. فالعقول لا تخطئ غالبًا في النتائج، وإنما تخطئ حين تُبنى نتائجها على مقدمات مختلة. وهكذا، حين تتكوّن لدى الإنسان - بالدليل والتجربة - قوائم محظورات ثقافية أو علمية أو حتى حياتية، فإنه في الحقيقة يحمي عقله من استقبال مقدمات تفكير سقيمة قد تصنع رأيه، بل وقد تسهم في صناعة الرأي العام في مجتمعه.

إنَّ ما يصح في وعي الفرد يصح - بدرجة أكبر - في وعي المجتمعات. فأنماط التفكير الجمعية لا تتشكل في فراغ، بل تتأثر بما يتداوله الناس من أفكار وما يتلقونه من معارف عبر الكتب والإعلام والتعليم والخبرة الاجتماعية. ولذلك فإن الرأي العام الذي يظن كثيرون أنه نتاج طبيعي للبيئة أو الثقافة - وربما الدين - هو في كثير من الأحيان حصيلة تراكم طويل من الأفكار والمعلومات التي تتداولها المجتمعات عبر مصادر مختلفة. ومن هنا تصبح محاكمة الأدوات التي نتلقى منها أفكارنا ضرورة عقلية لا ترفًا فكريًا. فبعض هذه الأدوات قد يثبت بالتجربة أنها غير أمينة في نقل المعرفة أو الأخبار، وحينها يكون من الحكمة التعامل معها بحذر، بل ووضعها ضمن القائمة المحظورة، لا لأننا نخشى الأفكار، بل لأننا نرفض أن تكون الأكاذيب نقطة البداية في التفكير. فالجهة التي اعتادت الكذب لا ينبغي أن تُستقبل أخبارها بوصفها احتمالًا صادقًا، بل بوصفها دعوى تحتاج إلى برهان. والقاعدة العقلية هنا واضحة: من اعتاد الكذب سقطت عدالته حتى يثبت صدقه بالدليل. ومن هنا تتضح خطورة المقدمات التي يبدأ منها التفكير. فلن يقول لك أحد صراحة: لا تدرس المنطق ولا تتعلم أدوات التفكير، لكن قد يُهوَّن من شأن بعض العلوم أو يُقال إن بعضها لا جدوى منه. وهكذا لا يكون المنع صريحًا ولا الحجب مباشرًا، بل تتكون ببطء مقدمات تفكير مختلة تقود في النهاية إلى نتائج منحرفة. فحين تُفسد المقدمات، تفسد النتائج ولو بدا التفكير في ظاهره منطقيًا.

في اعتقادي أن المجتمع معنيّ بأن يتبادل أفراده خبراتهم في التحذير من مصادر الغش والتضليل: مطعم متلاعب، شركة مطابخ رديئة، مقاول اعتاد الغش، صحفي اعتاد الكذب، قناة إعلامية اعتادت التزوير. فحين يتبادل الناس هذه الخبرات - ولا سيما أهل الرشد والعقل - وينشرونها في المجتمع، فإنهم في الحقيقة يشكّلون جبهة صدٍ أولى للعقول، تمنع نفاذ مقدمات تفكير خاطئة قد تقود في النهاية إلى قلب الحق باطلًا والباطل حقًا. وقد ورد في الأثر: «اعرف الحق تعرف أهله»؛ فالحق هو ما ينبغي أن نتعلمه ونبحث عنه، بعيدًا عن الهويات والأشخاص. أمّا إذا سادت المقدمات المغلوطة، فربما نُقدِّس من لا يستحق التقديس، ونحترم من لا يستحق الاحترام. فالمعركة الحقيقية في الوعي ليست معركة النتائج، بل معركة المقدمات التي تُبنى عليها.