آخر تحديث: 7 / 3 / 2026م - 4:53 م

الثقافة أو النساء؟

رائدة السبع * صحيفة اليوم

هل تحتاج الثقافة إلى المرأة؟

بعض الأسئلة تبدو بديهية إلى حدٍّ أننا لا نجرؤ حتى على طرحها.. وهذا واحدٌ منها.

قد يبدو السؤال مستفزًا، وربما غير عادل. ففي زمنٍ تتكرر فيه العبارات المألوفة عن الشراكة والمساواة، تبدو الإجابة معروفة سلفًا.

لكن الثقافة، إذا أردنا أن نفهمها بصدق، ينبغي أن نتحلّى بقليلٍ من الفلسفة.

فلنتخيّل المشهد قليلًا.. بهدوء. تاريخٌ طويل من الكتب والمكتبات والقصائد والمجالس الفكرية. رجالٌ يكتبون، ويفكّرون، ويجادلون، ويضعون نظرياتهم حول المعنى.

ثقافةٌ كاملة يمكن أن تقوم، ظاهريًا، من دون امرأة.

الكتب يمكن أن تُكتب، والجامعات يمكن أن تُبنى، والخطب يمكن أن تُلقى، وكذلك القصائد، والكثير من الروايات والقصص. لكن سيكون هناك دائمًا نصٌّ مفقود. فالثقافة ليست مجرد تراكمٍ للمعرفة، بل هي طريقةٌ لرؤية العالم.. والشعور به.

حين يغيب صوت المرأة، لا تختفي الأفكار، لكنها تصبح أكثر صلابة. تظل اللغة موجودة، لكن دفئها يخفّ قليلًا. ويظل العقل حاضرًا، لكن القلب يتراجع خطوةً إلى الخلف. ربما لأن المرأة، عبر التاريخ، لم تكن فقط كاتبةً أو شاعرةً أو مفكّرة. كانت غالبًا العين التي ترى ما لا يُرى بسهولة. في القصائد القديمة منحت الشعر حساسيته الأولى. وفي البيوت حفظت الحكايات الصغيرة التي لا تكتبها الكتب. وفي الحياة اليومية أضافت إلى اللغة الكثير من الحب والدهشة والجمال والفرح، وحتى الحدس.

كما قال ستانلي بالدوين:

«أثق بحدس المرأة أكثر من عقل الرجل».

ويذكّرنا هذا بأن تأثيرها في الثقافة ليس مجرد معرفة، بل رؤية عميقة للعالم.

وكل ذلك جزءٌ من الثقافة، حتى لو لم يُدوَّن في المجلدات. الثقافة التي تُبنى من صوتٍ واحد تشبه غرفةً بلا نوافذ. الضوء لا يدخلها كما ينبغي. لذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي:

هل تحتاج الثقافة إلى المرأة؟ السؤال الأدق هو: كيف تبدو الثقافة حين ترى العالم بعينٍ واحدة فقط؟ عندها سنكتشف أن الثقافة يمكن أن تستمر بدون المرأة، نعم، لكنها ستفعل ذلك بطريقةٍ مختلفة تمامًا. ستصبح أكثر صرامة، وأقل دهشة.

أكثر نظامًا، وأقل حياة. فالمرأة لا تضيف عددًا إلى المشهد الثقافي، بل تغيّر ملامحه.

إنها لا تدخل الثقافة كضيف، بل كضوءٍ يفتح زاويةً أخرى للرؤية.

ومنذ أن بدأ الإنسان يروي قصته على هذه الأرض، لم يكن الضوء واحدًا..

كان دائمًا أوسع كلما حضرت المرأة فيه.

لو كُتب التاريخ الثقافي العربي بلا امرأة، ربما كان سيبقى تاريخًا للأفكار.. لكنه لن يكون تاريخًا للحياة.