آخر تحديث: 7 / 3 / 2026م - 4:53 م

الزواج.. حاجة إنسانية وضرورة أخلاقية

أمير بوخمسين

حين نتأمل مكانة الزواج في الإسلام ندرك أنه لم يُشرع إلا ليكون سياجًا يحفظ الفطرة، ويصون النسل، ويقيم ميزان السكينة والمودة داخل الأسرة، ومنها يمتد الاستقرار إلى المجتمع كله. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم: 21].

فالزواج في فلسفته الإسلامية إنما هو حاجة إنسانية وضرورة أخلاقية، تُبنى بها النفوس قبل أن تُبنى البيوت. ومن هنا فإن أي خلل يصيب مؤسسة الزواج لا يتوقف عند حدود الفرد، بل يتسرب ببطء إلى جسد المجتمع. إنَّ مسؤولية حماية هذا البناء لا تقع على عاتق الشباب وحدهم، بل تبدأ من الأسر التي تحوّلت عند بعضها فكرة الزواج من ميثاق غليظ إلى مشروع استثماري، فغالت في المهور، وأثقلت كاهل المقبلين عليه بعادات لا أصل لها في الشرع ولا سند لها في الحكمة، حتى صار الشاب يقف أمام باب الزواج كمن يقف أمام جبل من الالتزامات المالية والاجتماعية.

إن الدعوة إلى تيسير الزواج واجبًا عمليًا يبدأ بمحاربة المبالغة في المهور، وتفكيك طقوس التفاخر، وإعادة الاعتبار لفكرة الشراكة وليس الاستعراض. وعند البحث في أسباب عزوف الشباب عن الزواج، نجدها تتوزع بين ضيق اقتصادي حقيقي، وضغط اجتماعي مصطنع، وخوف نفسي من الفشل تغذيه تجارب الطلاق المتكررة. فالشاب اليوم لا يرى الزواج باعتباره استقرارًا مضمونًا، بل مغامرة غير محسوبة العواقب، تتطلب رأس مالٍ كبيرٍ ولا تضمن عائدًا آمنًا.

وتترتب على هذا العزوف أضرار لا تقاس بالأرقام، بل تقاس بما يتركه من فراغ عاطفي، واضطراب سلوكي، وتآكل في فكرة الأسرة نفسها، حتى يصبح المجتمع مهددًا بجيل لا يرى في الزواج ضرورة، إنما عبئًا إضافيًا على كاهل حياة مزدحمة أصلًا بالضغوط.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إحياء المبدأ الذي كاد يغيب تحت مسوغ العادات.. ”أقلّهُن مهرًا أكثرهن بركة“. فبركة الزواج تقاس بقدرته على الاستمرار وصناعة الطمأنينة والانسجام.

ويأتي في السياق نفسه تفعيل دور صناديق الزواج، لا باعتبارها حلولًا إسعافية فقط، بل أدوات استراتيجية تعيد الاعتبار لفكرة التكافل، وتكسر الحاجز النفسي أمام الشباب، إذا أُديرت بشفافية وعدالة وربطت بالتمكين لا بالمنح المؤقتة.

ولا يمكن فصل هذه المعالجة عن إعادة النظر في قانون الأحوال الشخصية بما يحقق التوازن بين الحقوق والواجبات، ويحد من التعسف في استخدام الطلاق، ويمنح الأسرة مظلة قانونية تحميها من الانهيار السريع. كما أن للإعلام المجتمعي المسؤول دورًا حاسمًا في نقل القضية من زاوية الترفيه أو الإثارة إلى زاوية الوعي، ويعرض النماذج الناجحة كما يعرض النماذج الفاشلة، ليفهم الناس أن المشكلة ليست في الزواج ذاته، بل في طريقة الدخول إليه وإدارته.

وقد عرف المجتمع في نماذجه القديمة زواجًا بسيطًا، يقوم على القناعة والتكافؤ، فكان أقدر على الصمود رغم قلة الموارد، بينما تقدّم لنا النماذج الحديثة صورة معاكسة: موارد أكبر واستقرارًا أقل، لأن الأساس قد تغير من المعنى إلى المظهر.

إن معالجة هذه الظاهرة لن تتم إلا بمسؤولية جماعية تشترك فيها الأسرة، والتشريع، والإعلام، والمؤسسات الاجتماعية، والشباب أنفسهم.

فإما أن نعيد للزواج مكانته الطبيعية كجسر إلى الاستقرار، أو نترك المجتمع يواجه وحده عواقب تأجيله وتفكيكه، وهي عواقب لا تظهر فجأة، لكنها حين تظهر تكون باهظة الثمن، على الفرد أولًا، وعلى المجتمع أخيرًا.