آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 4:31 م

حين تُتلى الفاتحة.. بين صحة اللفظ وحضور القلب

باسم آل خزعل

من نعمِ الله العظيمة على هذه الأمة أن جعل الأرض مسجدًا وطَهورًا، وفتح أبواب القرب إليه في كل زمانٍ ومكان. وما إن يصدح الأذان حتى ترى وفود المؤمنين والمسلمين تلبّي نداء الصلاة، متجهة إلى أحبّ البقاع إلى الله، المساجد والجوامع، حيث تؤدّى الفرائض، وتُتلى آيات القرآن الكريم، وتلتقي القلوب قبل الأجساد، صفوفًا متراصّة كأنهم بنيان مرصوص.

في تلك اللحظات المهيبة، تحفّ المصلين السكينة، ويغشاهم الخشوع والوقار، وتتنزّل عليهم الرحمة، وتحيطهم الملائكة، وهم يقفون بين يدي الله في أوقاتٍ محددة جعلها سبحانه وتعالى أوقاتًا للخير والبركة.

ومع إقامة الصلاة، يستعدّ الجميع للدخول في أعظم مشهدٍ تعبّدي، حيث تتوحّد القلوب خلف الإمام، وتبدأ الصلاة بتكبيرة الإحرام، ثم بتلاوة سورة الفاتحة هي أمّ الكتاب، وإحدى واجبات الصلاة.

ولأن لسورة الفاتحة منزلة خاصة، فإن حسن تلاوتها ليس أمرًا شكليًا أو ثانويًا، بل هو أساسٌ في صحة الصلاة وكمال الخشوع. وقد لفت انتباهي كما يلفت انتباه كثيرين وقوع بعض الأئمة في أخطاء تجويدية ولغوية أثناء تلاوتها، أخطاء قد تبدو يسيرة في ظاهرها، لكنها مؤثرة في المعنى واللفظ، ولا يليق أن تقع في سورة تتكرر في كل ركعة.

فمن ذلك، على سبيل المثال، مراعاة النطق الصحيح في قوله تعالى: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم بكسر الدال، لا بضمها، وقوله: ﴿إيّاك نعبُدُ وإيّاك نستعين بضم الباء في نعبد، لا بكسرها، وكذلك إتمام المد الواجب في قوله: ﴿ولا الضّالِّين بمدّ الألف بعد الضاد، لا تسويتها بحرفٍ عادي يخلّ بجمال التلاوة وأحكامها.

لسنا جميعًا أساتذة في اللغة العربية، ولا علماء في القراءات، لكننا نُدرك بالفطرة والسمع متى تكون التلاوة سليمة، ومتى يعتريها الخلل. واللافت أن هذه الأخطاء تتكرر أحيانًا على حدٍّ سواء، رغم توفر العلم، وسهولة الوصول إلى أهل الاختصاص، وكثرة الدورات والوسائل التعليمية في علم التجويد.

وفي مقابل ذلك، لا تُنسى تلك اللحظات المشرقة التي نصادف فيها إمامًا متقنًا، حسن الترتيل، واضح المخارج، دقيقًا في المدود، يؤدي الحروف من مخارجها الصحيحة، فتقع تلاوته في القلب موقع السكينة، ويشعر المأموم أن الصلاة ارتقت به درجة أعلى من الطمأنينة والخشوع، حيث إن جمال تلك التلاوة وإتقانها سببٌ مباشرٌ في حضور القلب، وحسن الإنصات، واستشعار عظمة ما يُتلى بين يدي الله.

إن حسن تلاوة القرآن، ولا سيما في سورة الفاتحة، ليس مجرد تحسين صوت أو تنغيم لفظ، بل هو أمانة شرعية، ورسالة تربوية، وأثر روحي عميق ينعكس على المأمومين. فالإمام قدوة، وصوته جسرٌ يصل به الناس إلى معاني القرآن، وكلما كان هذا الجسر متينًا وسليمًا، كان الوصول أصدق وأقرب.

ومن هنا، فإن العناية بتأهيل بعض الأئمة في علم التجويد، والمراجعة المستمرة لتلاوتهم، ليست ترفًا ولا تشددًا، بل ضرورة تُحفظ بها هيبة الصلاة، وجلال القرآن، وخشوع المصلين. فالفاتحة تُتلى في اليوم والليلة مراتٍ لا تُحصى، فحريٌّ بنا أن تُتلى كما أُنزلت، لفظًا ومعنى، حتى تؤدي دورها الكامل في تزكية النفوس، وجمع القلوب، وتعظيم شعائر الله.

﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج: 32]