آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 12:04 م

عكس اتجاه السير… موتٌ مؤكّد

زكريا أبو سرير

قال الله تعالى في كتابه الحكيم:

﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [سورة البقرة، الآية 195].

تُعد أنظمة المرور من أهم الركائز التنظيمية في حياة المجتمعات الحديثة والمعاصرة، إذ وُضعت واعتمدت لحماية الأرواح، وتنظيم حركة السير، وضمان سلامة مستخدمي الطريق من سائقين ومشاة، والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة. وقد أُقرت هذه الأنظمة استنادًا إلى دراسات علمية دقيقة أعدّها مختصون في أمن وسلامة الطرق.

إن الالتزام بأنظمة المرور ليس أمرًا خاضعًا للخيار الشخصي، بل هو واجب إنساني ومسؤولية أخلاقية وقانونية وشرعية، يعكس وعي الفرد واحترامه لحق الآخرين في السلامة والأمان. فالطريق مساحة مشتركة، وأي تجاوز أو استهتار بقوانينه قد يؤدي إلى نتائج مأساوية لا تقتصر على المخالف وحده، بل تمتد آثارها إلى أبرياء لا ذنب لهم، سوى أنهم خرجوا لطلب رزق أو لقضاء حاجة لهم أو لغيرهم.

ومن أخطر المخالفات المرورية على الإطلاق: عكس اتجاه السير أثناء قيادة المركبة. فقد لوحظ - للأسف - استهتار بعض السائقين بهذا النظام، رغم شدة التحذيرات الصادرة من الجهات المختصة، ووضوح اللوحات الإرشادية في الطرق الرئيسة والفرعية. وتُعد هذه المخالفة تهديدًا مباشرًا لحياة الجميع؛ فمرتكبها شخص متهور يخالف العقل والمنطق قبل أن يخالف النظام، ويضع السائقين والمشاة ومن حولهم في مواجهة خطر جسيم دون سابق إنذار.

وغالبًا ما يؤدي عكس السير إلى اصطدام مباشر ”وجهًا لوجه“، وهو من أشد أنواع الحوادث خطورة، حيث تكون نسبة الإصابات البليغة أو الوفاة فيه شبه مؤكدة لأحد الطرفين أو لكليهما. كما يتسبب هذا السلوك في إرباك حركة المرور، وتعطيل مصالح مستخدمي الطريق، وقد ينتج عنه حوادث متسلسلة نتيجة هذا التصرف الأحمق. فضلًا عن فقدان الشعور بالأمان لدى السائقين حين يدركون أن هناك من يتعمد مخالفة هذا النظام العام تحت تبريرات واهية لا تنم إلا عن عقلية ناقصة وخالية من الإحساس بالمسؤولية تجاه سلامة الآخرين. ولا تقتصر الأضرار على الأرواح - وهي الأهم بلا شك - بل تمتد لتشمل خسائر اقتصادية كبيرة، كتلف المركبات، وتعطيل الطرق، واستنزاف الممتلكات العامة والخاصة.

كما أود لفت أنظار المخالفين لأنظمة المرور عمومًا إلى أن عدم التقيد بهذه الأنظمة يُعد ذنبًا شرعيًا قبل أن يكون جريمة قانونية؛ فمخالفة أنظمة المرور، لا سيما تلك التي تشكل خطرًا محققًا على السائقين والمشاة كعكس السير، أو قطع الإشارة المرورية، أو السرعة الجنونية، هي تعريض مباشر للنفوس للهلاك، وهو ما يتعارض مع القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية التي تقوم على حفظ النفس ومنع إيذاء الآخرين.

ونشهد بين الفينة والأخرى ارتكاب مثل هذه المخالفات القبيحة وغير العقلانية من بعض السائقين، خاصة في الأحياء الجديدة، بحجج لا قيمة لها ولا اعتبار. وقد شهدت هذه الأحياء حوادث مروعة يعجز العقل عن تصديقها من شدة هولها، حتى ليظنها المرء مشاهد خيالية أو لقطات تمثيلية. ومن أعجب تبريرات هؤلاء المستهترين عدم رغبتهم في قطع مسافة بسيطة لا تتجاوز ثوانٍ قليلة لاتباع المسار الصحيح، فيُهدرون قرار السلامة ويستبدلونه بقرار يقود إلى الهلاك، بلا أدنى إحساس بالمسؤولية. ويظن بعضهم أن قلة الحركة في هذه الأحياء تبرر مخالفاتهم، غير أن هذا الظن لا يسوغ بحال من الأحوال ارتكاب هذه الجرائم المرورية، ما دام غياب الوازع الديني والأخلاقي والإنساني هو الدافع الحقيقي وراء هذا السلوك.

إن الالتزام بأنظمة المرور يعكس مستوى عاليًا من الوعي الثقافي والحضاري في المجتمع؛ فالسائق الذي يدرك قيمة هذه الأنظمة يعلم أنها لم توضع لتقييده، بل لحمايته وحماية من حوله. واحترام القانون هو في جوهره احترام للنفس، وللمجتمع، وللأبناء، وضمان لحياة آمنة يسودها النظام والطمأنينة.