آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 11:02 ص

حين يرحل العالِم… وتبقى الخسارة أكبر من الكلمات

عماد آل عبيدان

إنا لله وإنا إليه راجعون.

ليس كل نعي خبرًا ولا كل رحيل يختصر في تاريخ. ثَمّة رجال وعلماء حين نفقدهم يتركون في الوعي الإنساني والاجتماعي والديني فجوة لا تُرى ولا تُسد لكنها تُحس بعمق وكأن شيئًا كان يضبط الإيقاع العام للحياة قد غاب. هكذا بدا فقد السيد علي الناصر السلمان ففقد رجل كان حضوره اتزانًا ولم يكن صوته الأعلى لكنه كان الأثقل وزنًا.

فقد العالِم ليس غياب شخص فحسب وإنما هو ثلمة في الدين نفسه لأن العلم حين يُحمل بصدق يتحول إلى ميزان أخلاقي يضبط الفهم والسلوك معًا. ومع رحيل العالِم، لا يفقد الناس معلومة فهم يفقدون مرجعية هادئة وبوصلة وعي وقدرة على الفصل بين الحق والانفعال وبين الدين والتوظيف. لذلك يمتد أثر هذه الثلمة إلى المجتمع كلّه إذ يضعف حضور الحكمة ويعلو ضجيج الآراء غير المسؤولة.

نشأ في الأحساء في بيت علم يعرف أن المعرفة مسؤولية قبل أن تكون مكانة. وترعرع في كنف والده العالم الجليل السيد ناصر السلمان، فشب مشدودًا إلى الفقه والفكر بوصفهما طريقًا للخدمة لا أدوات جدل. وحين شد رحاله إلى النجف الأشرف لم يكن يبحث عن لقب أو حضور شكلي وإنما عن معنى أعمق لدور العالِم في زمن كهذا إذ تتباين فيه التوجهات. هناك صقلت أدواته وتكونت لغته المتزنة وتبلورت شخصيته التي تجمع بين العقل الفقهي والحس الاجتماعي.

عاد إلى وطنه لا منفصلًا عن الناس ولا متعالِيًا عليهم. عاد ليكون بينهم في تفاصيلهم الصغيرة قبل قضاياهم الكبرى. كان قريبًا من المجتمع وحاضرًا في همومه ومرجعًا يُستأنس برأيه حين تختلط الانفعالات وتشتد الأزمات. لم كان خطابه حكيمًا لا حادًا إذ يعرف متى يتكلم ومتى يكتفي بالتروي والسكوت الذي يحمي أكثر مما يجرح.

وفي أحلك المراحل التي مرت بها المنطقة حين حاول الإرهاب أن يزرع الخوف والفرقة وقف السيد علي السلمان موقف العالِم المسؤول. لم يسمح للألم أن يتحول إلى وقود فتنة ولا للدم أن يستثمر في خطاب انقسام. دعا إلى الالتفاف حول الوطن وإلى حفظ النسيج الاجتماعي وإلى الوقوف صفًا واحدًا في وجه العنف. كانت كلمته في تلك اللحظات صمام أمان لأنها صدرت من رجل لا يتاجر بالمواقف ولا يزايد على الجراح.

ولأنه لم يؤمن بالكلمة وحدها فقد مضى إلى الفعل بهدوء ونضج ودراية. فكانت بصمته واضحة في المشاريع الصحية والاجتماعية وفي مقدمتها مشروع الكشف المبكر عن السرطان في القطيف وبناء مركز صحي تكفل به من ماله الخاص. لم يكن يبحث عن صورة أو إشادة وإنما عن أثرٍ يبقى بعده. كان يرى أن أفضل الأعمال تلك التي تنجز بهدوء وأن أصدق الصدقات ما لا تحتاج شاهدًا.

حتى مسجده لم يسلم من يد الإرهاب عندما استُهدف أثناء صلاة الجمعة وسقط شهداء من خيرة الشباب المتطوعين للحماية. ومع ذلك لم ينحرف خطابه ولم يتبدل منهجه. ظل وفيًّا لقناعته بأن وعي المجتمع لا يصان بالانتقام وأن الدين لا يُحمى بالغضب وأن الوطن لا يُصان إلا بالعقل والعدل.

لهذا لم يكن رحيله رحيلًا عاديًا. جاء محمّلًا بحزن صادق وبتعازٍ تعكس مكانته الحقيقية. وقد عبّر المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني «حفظه الله» في نعيه الصحيح عن جوهر هذه المسيرة حين أشار إلى أن الفقيد أمضى عمرًا مباركًا حافلًا بالخدمات الجليلة في سبيل ترويج الشرع الحنيف ورعاية المسلمين ودعا له بأن يُحشر مع أجداده الطيبين الطاهرين وأن يُعَوَّض المؤمنون في هذه الخسارة العظيمة. وهي شهادة لا تمنح إلا لمن كانت حياته ترجمة صادقة للعلم لا ادعاء له.

اليوم وبعد رحيله رحمه الله نفهم أكثر مما فهمنا وهو بيننا. نفهم أن بعض الرجال لا يُلاحظون كثيرًا وهم يعملون لكن فقدهم وغيابهم يفضح قيمتهم دفعة واحدة. وأن الحكماء لا يُصفَّق لهم في حياتهم لأنهم لا يطلبون التصفيق ولا البهرجة ولكنهم يتركون ركودًا وحزنًا ثقيلًا حين يرحلون وصدى ثلمة يحتاج زمنًا طويلًا لردمها.

رحم الله السيد علي الناصر السلمان

رحمة بوصفه عالمًا لم يُخاصم الحياة مجاهد فيها ورجل دين لم ينفصل عن الناس ورجل موقف لم يساوم على وطنه ورجل فعل آمن أن الأثر هو ما يبقى.

إنا لله وإنا إليه راجعون.