آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 11:02 ص

رحلة الحمّام عبر الأجيال… كل جيل له طقوسه

إبراهيم الرمضان *

كما هو معروف في ”الدستور غير المكتوب للحياة“، دورات المياه وُجدت لأغراض محددة جدًا: تدخل… تُنجز المهمة… تخرج… وتنهي الموضوع بهدوء واحترام.

لكن ماذا عن الواقع؟

الواقع يقول إن الحمّام عند البشر ليس غرفة… بل مفهوم حضاري، و ”مزاج“ ، وأحيانًا ”مشروع حياة“.

ومع مرور الزمن، تحوّل الحمّام من كونه مكانًا لقضاء الحاجة إلى مركز خدمات متعدد الاستخدامات:

• جلسات علاج نفسي.

• مسرح غنائي.

• مكتبة متنقلة.

• غرفة اجتماعات ذاتية طارئة.

• ومركز شحن احتياطي للطاقة البشرية.

وهنا تبدأ الحكاية… حكاية الأجيال وكيف تعاملت مع الحمّام في غير الغرض المخصص لأجله، كلٌّ حسب عصره، وحسب مستوى ”الفراغ“ الذي يسمح به الزمن.

جيل الطفرة (مواليد ما بعد الحرب العالمية الثانية (1946-1964)): الحمّام = نعمة إلهية

وهنا نبدأ بالجيل الذي إذا تكلّم عن الحمّام… تكلّم عنه بخشوع؛ لأنهم ببساطة وُلدوا في زمن بلا تقنية حديثة، والحياة بسيطة. كان الحمّام في نظرهم رفاهية، وليس ”شيئًا موجودًا تلقائيًا“.

كثير منهم عاشوا في بيوتٍ بلا دورات مياه داخلية. وكانت المسألة تتم في مكان قرب باب المنزل يسمونه ”السنداس“ … مكان يتجمع فيه كل شيء، ثم يأتي شخص بين فترة وأخرى ليقوم بعملية التفريغ. وهنا تفهم لماذا هذا الجيل يرى الحمّام نعمة لا تُناقَش.

فحين بنوا بيوتًا فيها حمّامات حديثة، تعاملوا معها كأنها ثورة إنسانية:

يدخل ومعه راديو صغير يسمع الأخبار والفقرات المنوّعة، أو يصطحب الجريدة اليومية، وبعضهم كان يعتبره أفضل مكان للتركيز: لا أحد يزعجك، ولا أحد يناقشك، ولا أحد يسألك: ”ماذا تقرأ؟“.

لذلك عندهم الحمّام ليس ”دار خلاء“ … بل ”دار نعمة“. ولهذا إذا رأوا شخصًا يطيل في الحمّام بسبب جواله، ينظرون له نظرة تقول: ”يا ولدي… نحن أطَلنا لأننا نقرأ أخبار العالم، لا لأننا نتابع شخصًا يصنع مقلبًا في صديقه“.

جيل X (مواليد 1965-1980): الحمّام = استجمام + مكتبة + ”لا تزعجني“

الآن ندخل إلى جيل X… وهنا تبدأ العظمة.

جيل يرى الحمّام ليس مكانًا لقضاء حاجة فقط، بل مكان هدوء وتأمل، أقرب إلى ”منتجع داخلي“، وهم الذين يسمون الحمّام (بيت الراحة).

هذا الجيل لديه فلسفة واضحة:

إذا كان المرء سيجلس… فلماذا لا يستفيد؟

لذلك من الطبيعي جدًا أن تدخل حمّام شخص من هذا الجيل وتتفاجأ بوجود:

• رف صغير للكتب، كتب أدبية ووجدانية أو حتى كتب تطوير الذات.

• مجلة ثقافية ونشرات علمية.

• أو كتاب ثقيل بعنوان: ”التأملات النفسية، مع صوت الحنفية“.

جيل X أخذ الحمّام بجدية… كأن الحمّام مؤسسة. يدخل الحمّام وهو مرتب، ويخرج وهو مرتب أكثر. حتى الجلسة عنده ليست ”جلسة“، بل ”وقت خاص لإعادة تنظيم الأفكار“.

ولو استغربت من طول غيابه؟ يرد عليك بكل هدوء: ”كنت أقرأ فصلًا“.

كأنه دخل الحمّام واكتشف المعنى العميق للحياة بين الشامبو والمنشفة.

جيل Y (الألفية Millennials مواليد 1981-1996): الحمّام = استوديو تسجيل مجاني بصدى فاخر

فهؤلاء عاشوا زمن ”الحمّامات الجديدة“ من الثمانينات فصاعدًا؛ الحمّامات التي تُصدر صدى كأنها تقول لك: ”لو عندك موهبة… أخرجها الآن!“.

هذا الجيل لم يكن يدخل للاستحمام فقط… بل يدخل وهو يحمل بداخله إحساس الفنان الذي لم يكتشفه أحد. وخلال الاستحمام تبدأ الحفلة:

• موّال.

• نشيد.

• أغنية قديمة.

• ثم إعادة المقطع نفسه سبع مرات؛ لأن ”الصدى كان رهيبًا“.

وكأن الحمّام عندهم دار أوبرا، والحنفية هي ”المايك“، وصوت الماء ”فرقة موسيقية“.

والذي يزيد السخرية: لو سألته لاحقًا: ”لماذا كنت مطوّلًا؟“.

يرد بثقة: ”كنت أراجع نفسي“ … وهو يقصد أنه كان يراجع الطبقة الصوتية بين القرار والجواب.

جيل الألفية عاش المرحلة الانتقالية؛ بدأوا بأغاني الحمّام، ثم تطوروا إلى دخول الهاتف لاحقًا، لكن ظلّ لديهم حنين للصدى. لذلك تجد بعضهم إلى اليوم يغني في الحمّام، ثم يسكت فجأة ويقول: ”لا لا، خلاص… أنا كبير على هذه الحركات“، ثم يكمل، لكن بصوت أخف.

جيل Z (مواليد 1997-2012): الحمّام = ملجأ نفسي وخطة هروب من الحياة

بالنسبة لجيل Z… الحمّام ليس ”دورة مياه“ ولا ”مكان قضاء حاجة“ …

الحمّام عندهم هو الملاذ الأخير عندما تنهار الطاقة الاجتماعية وتبدأ الحياة تطلب تحديثات غير المرغوبة.

يدخل وهو يشعر أنه نفّذ انسحابًا تكتيكيًا من العالم… ليس لأنه بحاجة إلى الحمّام فعلًا، بل لأنه يحتاج هدنة رسمية من البشر، والرسائل، والمشاكل، وحتى من نفسه أحيانًا.

طقوس جيل Z داخل الحمّام:

• جلسة صمت علاجية.

• تنفّس عميق كأنه في جلسة تأمل.

• إعادة ترتيب المزاج بعد ”موقف بسيط دمّر اليوم بالكامل“.

• تصفية الرأس من الضجيج العام.

• وأحيانًا: جلسة حاسمة مع النفس لإثبات أن الجميع مخطئون وهو الضحية.

والأجمل؟

إذا جلست طويلًا، فلديك أعظم مبرر في التاريخ: ”كنت في الحمّام“، وهي جملة تُسقط كل الاتهامات تلقائيًا، حتى لو كنت فعلًا تشاهد مقاطع قطط لمدة أربعين دقيقة.

جيل Z ببساطة جيل ذكي جدًا… اكتشف أن الحمّام هو المكان الوحيد الذي تمنحك فيه الحياة عذرًا رسميًا للغياب، دون أن تكتب استقالة من الحياة.

جيل ألفا (مواليد 2013 إلى 2025): الحمّام = إعادة تشغيل وتحديثات أمنية + مدينة ألعاب مائية

وأخيرًا جيل ألفا. الموضوع واضح جدًا ولا يحتاج فلسفة:

الحمّام ليس ”دورة مياه“ … بل مكان صيانة للنظام. يدخل الشاب أو الشابة وكأنه يدخل غرفة التحكم في محطة فضائية:

• ضبط إعدادات الجسم.

• إفراغ سلة المحذوفات.

• تفريغ الشحنات السلبية.

• رفع مستوى الطاقة.

• وأحيانًا: ”تعديل السلوك العام بعد صدمة اجتماعية بسيطة“.

والأهم… الهاتف يدخل معهم وكأنه جزء من الطقوس. إن لم يدخل الهاتف، يشعر الشخص أن العملية ناقصة، وكأنك تحاول تشغيل السيارة بلا مفتاح. الهاتف عندهم لوحة تحكم: فيديو، لعبة، موسيقى، مؤثرات… وكأنه داخل تجربة افتراضية، ولكن على السيراميك.

قد يكون ما ذُكر سابقًا قد مارسه ذوو الأجيال السالفة، لكن الفرق الكوميدي؟

أن الماء عندهم ليس وسيلة للاستحمام… بل فعالية ترفيهية.

الحمّام عند ألفا قد يتحول إلى:

• حرب مياه عالمية.

• تجربة علمية: ”ماذا يحدث لو خلطنا الشامبو مع الصابون مع أي شيء؟“.

• سباق فقاعات.

• طقوس رمي ألعاب في البانيو كأنه محيط.

• وتحويل المنشفة إلى ”عباءة بطل خارق“ بعد الخروج مباشرة.

جيل ألفا باختصار:

يدخل الحمّام لكي ”ينظف“، ويخرج كأنه افتتح مشروع ألعاب مائية داخل البيت.

والخسائر الجانبية معروفة: بلل في كل الاتجاهات، وتفسير واحد فقط: ”كنت أستحم، عادي!“.

الجيل الواحد… خمسة حمّامات مختلفة!

الغريب هنا ليس اختلاف الاستخدام…

الغريب أن كل جيل يعتقد أنه يستخدم الحمّام بالطريقة الصحيحة.

• جيل ألفا يراه غرفة صيانة داخلية ومدينة ألعاب مائية.

• جيل Z يراه ملجأ نفسيًا وخطة هروب من الحياة.

• جيل Y يراه مسرحًا غنائيًا مجانيًا.

• جيل X يراه صالونًا ثقافيًا.

• جيل الطفرة ما بعد الحرب العالمية يراه نعمة تاريخية تستحق الاحترام.

ومع كل هذا… الحمّام واقف ثابت، لا يتكلم، ولا يحتج، ولا يرفع قضية ”سوء استخدام“! مسكين… إنه فقط يريد أن يكون ”حمّامًا“ … لكن البشر حوّلوه إلى مركز حضاري متعدد الوظائف.

في الختام: احترم الحمّام… فهو أكثر غرفة خدمت البشرية!

يمكن القول إن دورات المياه لم تُصمَّم لتكون مكانًا للتأمل، ولا للغناء، ولا لاستكمال حلقات مسلسل، ولا لعقد صفقات الحياة… لكنها أصبحت كذلك لأن الإنسان بطبيعته لا يكتفي بالحلول المباشرة، بل يحب إضافة ”لمسته“.

ومهما اختلفت الأجيال، يبقى الحمّام هو المكان الوحيد الذي يجمع الجميع على شيء واحد: كلنا نحتاجه… وكلنا سننكر أننا جلسنا فيه أكثر مما ينبغي.

والخلاصة الذهبية:

إذا طال غياب شخص… لا تقلق عليه كثيرًا… غالبًا هو فقط في الحمّام… يعمل ”إعادة تشغيل للنظام“ … أو يقرأ فصلًا… أو يغني… أو يسمع نشرة الأخبار.