آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 11:02 ص

التعليم في زمن التحولات

عيسى العيد * صحيفة اليوم

لا شكّ ولا ريب بأنّ لكلّ أمرٍ من أمور الشأن العام تحوّلاتٍ وتبدّلاتٍ في أسلوب التعاطي والممارسة، ومن تلك الأمور التعليم، الذي مرّ بمراحل مختلفة ومتنوّعة؛ بدءًا من حضور الطالب عند المعلّم، الذي كان يُطلق عليه سابقًا «المؤدِّب»، ثم تطوّر إلى ما عُرف ب«الكتاتيب». وكانت كل تلك المراحل مفيدة في وقتها، إلا أنّ نظرتنا إليها اليوم أصبحت على أنها بدائية، وذلك بعد أن خضع التعليم إلى نظام المدارس النظامية، حيث يمارس الطالب تعليمه بشكلٍ منظّم، ويخضع لاختبارات دورية تمكّنه من الحصول على شهادة معتمدة تؤهله للحصول على وظيفة ذات مستوى عالٍ.

وحتى المدارس النظامية نفسها مرّت بتحوّلات مختلفة؛ فقد كانت شهادة المرحلة الابتدائية في وقتٍ من الأوقات تُعدّ شهادة عالية يُحتفى بها، ومع تطوّر العلم لم تعد تلك الشهادة ذات قيمة عالية، بل أصبحت مجرّد مرحلة تمهّد للانتقال إلى مستوى أعلى. ولا شكّ بأنّ المناهج التعليمية تتطوّر في كل فترة لتكون مواكبة للتطوّر العام.

ومن التحوّلات المتقدّمة في مسيرة التعليم، جاء التعليمُ عن بُعد، الذي أتاح للمعلم والطالب التواصل عبر ما وفّره التطوّر العلمي من أدوات تقنية ووسائل اتصال حديثة. وقد برزت أهمية هذه الطريقة بشكل واضح عندما حلّ الوباء الذي خيّم على العالم وفرض التباعد المجتمعي كخيار لا بديل عنه، فكان التعليم عن بُعد حلًا عمليًا أسهم في استمرار التعليم العام والجامعي دون انقطاع، ومكّن الطلاب من مواصلة مسيرتهم التعليمية دون خسائر تُذكر.

ويُعدّ هذا التحوّل مختلفًا عمّا شهدته أزمات سابقة، كأزمة حرب الخليج وغزو الكويت، حيث تعطّلت الدراسة والأعمال آنذاك، في وقت لم تكن فيه الوسائل التقنية متاحة كما هي عليه اليوم. وهذا ما يؤكّد أن التطوّر التعليمي الحالي يمثّل فرصة حقيقية ينبغي استثمارها وتوظيفها ضمن منظومة التعليم، لا أن يُنظر إليه على أنه حلّ مؤقّت مرتبط بالظروف الاستثنائية فقط.

وما أريد قوله هو أنّ التطوّر التعليمي الموجود حاليًا يجب علينا الاستفادة منه بصورة أكبر، ليكون جزءًا من حياتنا التعليمية، وأخصّ بذلك التعليم عن بُعد، بحيث يُدرج ضمن العام الدراسي، وخصوصًا في الأوقات المتأزّمة الناتجة عن الكوارث الطبيعية أو الأمراض المعدية.

لكن لا بدّ من إدخال بعض التحسينات عليه، مثل التقليل من مدّة الحصة الدراسية وعدد الحصص، التي تُنهك الطالب والمعلم على حدّ سواء؛ إذ إنّ متابعة المعلمين لطلابهم في الحصص التي تكون عن بُعد تُظهر ضعف التفاعل بين الطالب والمعلم، كما ينتاب المعلم إحساس بالملل؛ لأنه يشرح الدرس أمام الشاشة دون وجود تواصل حقيقي بين الطرفين.

لذلك، فإنّ إعادة جدولة الحصص أثناء الدراسة عن بُعد تُعدّ أمرًا ضروريًا، بحيث تكون مدّة الحصة عشرين دقيقة فقط، وعدد الحصص أربعًا، وبهذا يمكن الاستفادة من هذه التقنية الحديثة بصورة أفضل.

فالتعليم، إذا لم يكن مواكبًا لتطوّرات الحياة، سيصبح تعليمًا راكدًا، لا نفع فيه للطالب ولا للمعلم ولا لوليّ الأمر.