آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 11:02 ص

المبعث الشريف

محمد أحمد التاروتي *

المبعث الشريف يشكل حدثًا مفصليًا في تاريخ البشرية، حيث نقل الإنسانية من ظلام الجهل والبؤس إلى ضفة النور والهداية والرشاد، فالرسول الأكرم ﷺ استطاع إنقاذ البشرية من عبادة الأوثان وعبادة الذات إلى نور الهداية وعبادة الخالق، الأمر الذي ساهم في إزالة الكثير من الأغلال التي كانت تكبل الإنسانية على الصعيدين المعنوي والمادي، ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: 157].

المبعث الشريف ليس حدثًا عابرًا، وإنما يمثل نقطة محورية في مسيرة الأحداث التي عاشتها البشرية، فالرسالة الإسلامية تمثل طوق نجاة للإنسانية جمعاء، بحيث استطاعت تشكيل المنظومة الدينية والأخلاقية لدى الإنسان، مما انعكس بصورة مباشرة على المنظومة الأخلاقية الحاكمة بين المجتمعات الإنسانية منذ 14 قرنًا، لا سيما وأن الإسلام استطاع إخراج الكثير من الرواسب الشيطانية من النفوس وزرع القيم الأخلاقية القادرة على تحريك الجوانب الإنسانية وقمع النوازع الشريرة التي كانت تغذي الكثير من الغرائز لدى البشر. بمعنى آخر، فإن رسالة الإسلام وضعت الإنسانية على المسار الأخلاقي، واستطاعت بناء الذات عبر الكثير من الممارسات ذات الأثر على الصعيدين الشخصي والاجتماعي.

بعث سيد الأنبياء ﷺ وسط بيئة اجتماعية تسودها مختلف الممارسات غير الأخلاقية، فضلًا عن الجهل المطبق الذي يعم تلك القبائل العربية، إذ لا تقتصر تلك الممارسات على انتشار الرذيلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وإنما تشمل كذلك سيطرة قانون الغاب، وانتشار السطو والغزو والسلب على القبائل الأخرى، فضلًا عن انتشار ظاهرة ”وأد البنات“ التي تمثل وصمة عار على جبين الإنسانية على مر التاريخ، ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: 157]، فقد قاسى الرسول ﷺ الكثير من الآلام والعذابات في سبيل إنقاذ هذه المجتمعات القابعة في مستنقع الجهل، والسير بها في طريق الهداية وطمس الظلام المعشعش في صدور تلك القبائل القاطنة في شبه الجزيرة العربية، ”إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق“.

المعارضة الشديدة التي واجهت سيد الخلق ﷺ منذ اللحظة الأولى لإعلان رسالته لم تقتصر على أهل مكة والقبائل القاطنة فيها، وإنما شملت كذلك الأقرباء الذين واجهوا الرسول الأكرم ﷺ، حيث برزت تلك المعارضة في ”حديث الدار“، حينما نزلت الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: 214]، حيث التفت ”أبو لهب“ إلى أبي طالب مخاطبًا: ”قد أمرك أن تسمع لعلي وتطيع“. هذه المعارضة الشديدة تشكل تهديدًا حقيقيًا في مسيرة الدعوة، خصوصًا وأن وقوف أبي لهب في وجه الدعوة شكّل محفزًا لصناديد قريش للوقوف بالمرصاد لجميع الجهود التي بذلها الرسول الأكرم ﷺ في سبيل إنقاذ تلك المجتمعات من نير ظلم الذات والحرص على العبور بتلك القبائل إلى طريق الهداية، ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه: 2].

الرسول الأكرم ﷺ تحمل ما لم يتحمله الأنبياء جميعًا من أجل وضع قبائل الجاهلية في طريق الهداية، فقد أعلنت قريش الحرب على الرسالة الإسلامية منذ اللحظة الأولى من خلال ابتكار مختلف الأساليب للقضاء على الدعوة الإسلامية، فتارةً من خلال التعذيب للمسلمين في بداية الدعوة، وأخرى محاولة القتل على الفراش في داره ”ليلة المبيت“، وثالثة عبر استخدام الحرب الاقتصادية في شِعب بني طالب، ورابعة منع القادمين إلى مكة من الاستماع إلى الرسول ﷺ، وغيرها من الوسائل المتعددة، بحيث وصلت إلى ذروتها من خلال الحروب العسكرية، سواء في معركة بدر أو حرب أحد أو معركة الأحزاب أو غيرها من الحروب الأخرى التي قادتها قريش بالتعاون مع القبائل العربية الأخرى، من أجل وأد الإسلام ومنع انتشاره بين الناس.

عاصرت البعثة الإسلامية العديد من التحولات المفصلية التي ساهمت في تقوية شوكتها في وجه تيارات القبائل العربية، فقريش التي شكلت رأس الحربة في مواجهة الإسلام لم تذخر جهدًا في سبيل القضاء عليه من خلال الاستعانة بمختلف الوسائل الشيطانية، ”ما أوذي نبي مثلما أوذيت“، الأمر الذي يكشف حجم المؤامرات التي حيكت طوال سنوات الدعوة الإسلامية من مختلف الجهات والتوجهات في شبه الجزيرة العربية، ولكن ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [التوبة: 32].

كاتب صحفي