هل للسعادة مواسم؟
سؤال يطرحه الإنسان دائمًا على نفسه: هل أنا سعيد؟ وكيف أكون سعيدًا؟ هل السعادة تُقاس بالجانب المادي؟ هل السعادة مجرد كلمة نسمعها كثيرًا وتتردّد على الأفواه وعبر المنابر والندوات والدورات؟ وهل بالضرورة أن يكون الفرد في المجتمع سعيدًا؟ جميع هذه الأسئلة وغيرها يتم تداولها بين الفينة والأخرى.
إننا لا نبني السعادة كما نبني البيوت، ولا ننتظر أن تأتي مواسمها؛ فهي ليس لها مواسم. السعادة شيء أكثر هشاشة وأكثر عمقًا في آن واحد، تُولد ببساطة حين نهدأ، حين نتوقف عن مطاردة الحياة ونسمح لها أن تمر بنا دون خوف.
كما أن السعادة لا تسأل عن الظروف، ولا تنتظر هدوء المدن، ولا نهاية الخيبات. هي تلك القدرة العجيبة التي تمنح القلب والروح متسعًا للحياة، حتى حين تضيق الدنيا.
نحن نبني السعادة حين نخفف عن أنفسنا ثقل المقارنات، وحين نتوقف عن قياس حياتنا بحياة الآخرين. السعادة تبدأ يوم نكتشف أن الطريق الذي نمشيه، وإن كان وعرًا، هو طريقنا نحن، علينا أن نسير فيه، وألا ننتظر حتى يصبح الطريق سالكًا. إن السعادة التي يجب أن نلهث وراءها، هي السعادة التي لا تأتي من فصل الدنيا عن الآخرة، بل من وصلهما بصدق.
السعادة هي شعور معقد يعتمد على مجموعة من العوامل والمصادر المهمة، وأهم العوامل رضا الله سبحانه وتعالى والإخلاص في أعمالنا، وبعدها تأتي العوامل الأخرى. ويتم تحقيقها من خلال بناء العلاقات الاجتماعية كالدعم الاجتماعي من الأصدقاء والعائلة، إذ يلعب هذا العامل دورًا كبيرًا في تحسين الشعور بالسعادة. أما الصحة الجسدية وممارسة الرياضة والتغذية السليمة فتؤثر بشكل إيجابي على الحالة المزاجية، ووضع الأهداف ومحاولة تحقيقها يُعزّز الشعور بالإنجاز والرضا. والعامل الرئيسي والمهم الذي يجعل البعض سعداء هو عندما يُقدّمون عملًا ذا قيمة اجتماعية أو مساعدة للآخرين، ما يساهم في رفع مستويات السعادة؛ فالتفكير الإيجابي وممارسة التركيز على الأمور الإيجابية يؤدي إلى تحسين المزاج.
أن نعمل ونحن نعلم أن العمل عبادة، وأن نحب ونحن نعرف أن الحب أمانة، وأن نخطئ ثم نعود دون كِبر. أن نكون أناسًا لا ملائكة، لكن بقلب يحاول في كل مرة أن يكون أنقى من المرة السابقة.
والسعادة تُنشر حين نكون أخف على بعضنا البعض، حين لا نزيد من جراح الآخرين، وحين نُحسن الظن في زمن صار فيه سوء الظن بكل شيء.
تُنشر السعادة حين نصمت بدلًا من أن نؤذي، وحين نختار الرحمة حتى ونحن قادرون على القسوة والانتقام. أما أطفالنا، فنحن لا نصنع لهم السعادة بالهدايا وحدها، لكن بالأمان؛ بأن نكون لهم ظهرًا لا عبئًا، وملجأً لا محكمة.
أن نستمع لهم أكثر مما نُحاضرهم، وأن نحتضن قبل أن نُحاسب. أن نترك لهم حق الفرح دون خوف، وحق الخطأ دون إذلال. يكون أطفالنا سعداء حين يشعرون أن العالم، رغم قسوته، ورغم اكتظاظه بالحروب وبالكراهية، يبدأ من حضن آمن، ومن كلمة طيبة ومشجعة من أب اختار أن يهدي أبناءه السعادة.
السعادة هي أن نعيش بصدق، وأن نكون أوفياء لكل نقطة ضوء فينا، رغم كل ما أطفأته الأيام. أن نمضي ونحن نُصلح قدر استطاعتنا، ونُحب دون شروط قاسية، ونترك خلفنا أثرًا أخف من الألم، وأثقل من الأمل.
أن ننام مطمئنين لأننا حاولنا، ولأننا لم نؤذِ أكثر مما أُوذينا، ولم نكسر ما كان يمكن ترميمه، ولم نؤجل إنسانيتنا إلى وقت قد لا يأتي.
السعادة ليست هدفًا ثابتًا، بل هي رحلة تحتاج إلى جهد مستمر وتفاعل مع مجموعة من العوامل. من خلال اتخاذ خطوات بسيطة والاهتمام بنفسك وبالآخرين، يمكنك تعزيز شعورك بالسعادة.
فذلك وحده… معنى السعادة، وبدايتها، وغايتها.
















