سماحة الخطيب ملا حسين آل باقر
حينما أقلبُ صفحاتٍ نُسِجَت في خضمِها حروفٌ بديعة، وكلماتٌ جميلة، وأسطرٌ مشرقة، وجملٌ مضيئة، استُبدل حبرُها بماءٍ ذابَ فيه عطرٌ وألماسٌ وذهبٌ، وعندما لامستْ يداي تلك المخطوطات بأنواعها؛ كالقصاصات والرسائل والكتب، وأصبحتُ أتأملُها، التي جاءت لتبين عظمة ذلك المؤمن الورع، التي ملؤها إنجازاتٌ رفيعة، وأعمالٌ حميدة، وحياةٌ زاخرة بالتربية العظيمة، والأخلاق الكريمة، والشيم النبيلة، والعلوم الجليلة، تُوِّجت في نهاية المطاف بمبادئَ سديدةٍ، وقيمٍ راسخةٍ ورصينة، وسلوكٍ مهيب، وأسلوبٍ راقٍ يتوافق مع عقول الأسوياء. وهذه جُلُّها أتت نتاجًا لعطاءاتٍ وفيرة، وتضحياتٍ جسيمة، وتراكماتٍ مديدةٍ بُنيت على مدى أزمنةٍ بعيدةٍ طال أمدها، وسنينَ شُيِّدت بعنايةٍ فائقة، وجودةٍ عالية، ومواصفاتٍ سامية، وسماتٍ راقية، كلها صدقٌ وإخلاصٌ ووفاءٌ، قَلَّ نظيرها.
عزيزي القارئ، مما لا شك فيه، بل من الطبيعي أن يقف القلم عاجزًا متحيّرًا خجِلًا ومطأطئًا تجاه الحديث عن تلك الشخصية الفذة، التي طالما قدمت ما يمكن تقديمه لخدمة المنبر الحسيني بشكلٍ خاص والمجتمع بشكلٍ عام، ولفترةٍ ناهزت الستين عامًا. نعم، هو المغفور له - بإذن الله تعالى - سماحة الخطيب الملا حسين بن الملا محمد آل باقر، ذلك الرجل الورع الذي عرفه الكثيرون عن كثب، لا سيما في موسم الحج الأكبر؛ فقد كان - رحمه الله - معلّمًا ماهرًا، ومرشدًا خبيرًا، وأستاذًا قديرًا، وتربويًا متمكنًا، وإنسانًا ذا خُلُقٍ رفيع، مميزًا يُشار إليه بالبنان في ذلك المجال. ولأكثر من اثنين وخمسين عامًا خدم وقدم لتلك الشعيرة المقدسة أبهى صورها، وبكل ما يلزم من أمانةٍ وتفانٍ وصفاء؛ ليصل بضيوف الرحمن لوضعٍ يكونون فيه واثقين آمنين مطمئني القلوب، وهذا لا ريب غيضٌ من فيض.
وبما أننا وصلنا لمنتصف هذه المقطوعة من الحديث، لا بأس أن أستذكر أمامكم قصة سأرويها لكم؛ لأتخذ منها منطلقًا لتبيان ما يحمله ذلك الأب الحنون في قلبه من عطفٍ ومحبةٍ تجاه الآخرين بمعزلٍ عن جنسياتهم وألوانهم، وكأنه يستحضر في وجدانه كلماتٍ تجسد ذلك الموقف للإمام علي بن أبي طالب
: «الناس صنفان: إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق». ويرجع تاريخ تلك الحادثة لموسم الحج من عام أربعةٍ للهجرة، أي من عام ألفٍ وأربعمائةٍ وأربعة، منذ نحو ثلاثةٍ وأربعين عامًا، وكنت وقتها لم أتجاوز العشر سنواتٍ من العمر، وكنا في مكة المكرمة في اليوم الحادي عشر من العام ذاته في منطقةٍ تُسمى «شعب عامر» متوجهين للمبيت في مشعر منى المقدس.
وبينما كنا في جادة المسير، لاحظ الجميع على قارعة الطريق طفلةً صغيرةً - عرفنا فيما بعد أنها من الجنسية الهندية - تنزف دمًا بطريقةٍ تدمي الأفئدة والقلوب، ولوحظ كذلك أن لا أحد يعيرها اهتمامًا، وإنما يكتفون بالنظر إليها؛ فالكل مشغولٌ بنفسه. وفي هذه الأثناء همس «أبو علي» في أذن السائق بأن يتوقف، وكان يجلس بجواره سماحة الشيخ سعيد المدلوح «قدس سرهما»، فترجل - رحمه الله - ونزل واقترب من تلك البريئة المسكينة والمغلوبة على أمرها، فجثا على ركبتيه ووضع الصغيرة على حجره، فصار يمسح على رأسها والدموع تجري من عينيها، وهو يلاطفها ويهدئ من روعها، وأبى أن يبارح مكانه حتى يأتيَ أبواها، في منظرٍ جسّد بين جنباته ما يكنّهُ الراحل الكبير بداخله من أحاسيس ومشاعر وعطفٍ وحنانٍ وإنسانيةٍ شاهقةٍ وعظيمةٍ بلغت من العُلا ذروتها.
وبعد برهةٍ قليلةٍ من الوقت أقبل الأب بمعية أحد رجال الأمن، وشاهد الموقف بعينه، وما إن رأى ذلك حتى فاضت عيناه بالدموع، وأقبل إليه وصار بينهما عناقٌ عميق وهو يبكي من شدة فرحته بلقاء وديعته الصغيرة. وفي تلك اللحظات لم أدرك حقيقة أبعاد ذلك الموقف الحاني وما يحمله بين طياته من معانٍ بشريةٍ عاليةٍ امتزجت بسمو الفعل وطهارة النفس؛ لأنني كنت صغيرًا في العمر حينذاك.
ولكن عندما توالت الأيام والسنون، بقي ذلك المشهد المهيب عالقًا في ذاكرتي ووجداني بجميع تفاصيله حتى يومنا هذا، أستلهم منه الكثير من الدروس والعبر التربوية، وبالتالي تكوين قاعدةٍ أساسُها أن الرأفة والرحمة والشفقة ولين الجانب كلها ميزاتٌ وطباعٌ جعلها الله - جل شأنه - علاماتٍ مليئةً بالحب والرأفة خصَّ بها عباده المؤمنين المتقين؛ ومصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾ [الإسراء: 28]، وقال تبارك وتعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29].
فهناك جمعٌ غفيرٌ وأعدادٌ كبيرةٌ من الحجيج من أرض المحبة والكرم - ونعني هنا قطيف العطاء وقراها الأصيلة قاطبة - لها مع الراحل الكبير قصصٌ ومواقف لا حصر لها، ستبقى مخلدةً في ذاكرة الكثيرين من الخيرين والمحبين ممن عايشوه وصاحبوه وخالطوه، وعرفوه بطيب معشره، وحسن خلقه، وبشاشة وجهه. ونخص بالذكر مواسم الحج لفترةٍ تجاوزت نصف القرن من الزمن؛ فلم يكن لقاصدي بيت الله العتيق من الحجيج - من نساءٍ ورجالٍ - مرشدًا فقط، إنما كان أبًا وأخًا وصديقًا ومسؤولًا ومشرفًا، يشعر بهم، ويتلمس حاجاتهم، ويتابع أمورهم، ويسأل عن أوضاعهم، ودومًا كان بجانبهم يحرص على توضيح أحكام مراجعهم بتفاصيل واضحة، ودقةٍ متناهية، وبراعةٍ بارزة.
وختامًا نؤكد في هذا المقال المتواضع، أننا لن نستطيع في واقع الحال أن نحصي مآثر وخصال ذلك المربي الفاضل والخطيب المفوه؛ فقد كان - رحمه الله تعالى - متواضعًا، بسيطًا، حليمًا، ودودًا، حافظًا لكتاب ربه، ومواظبًا على تلاوة آياته، حاله كبقية أسلافه وعلماء منطقته وبلاده. ومن هذا المنطلق، ومن الواجب علينا أن ندعو له ولكافة علمائنا الراحلين الأبرار بالرحمة والغفران والجنة والرضوان، وأن يجزيهم عن جميع المؤمنين والمؤمنات عظيم الجزاء والثواب. كما نسأله - جل في علاه - أن يسكنهم الفسيح من الجنان، وأن يحشرهم مع محمد وآله الطيبين الأطهار. ولا ننسى الباقين من علمائنا وخطبائنا الأجلاء الكرام؛ اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه، واحرسهم بعينك التي لا تنام، وسدّد على طريق الخير خُطاهم، يا قادر، يا رحمن، وأن يعم نفعهم أرجاء البلاد والعباد، إنك سميعٌ مجيب الدعاء.
















