آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 12:04 م

ميزان الشراكة

عماد آل عبيدان

حين يُطرح سؤال الزواج في واقعنا المعاصر هل يصل إلينا نقيًا وبسيطًا كما نحب أن نطمئن به أنفسنا؟ في الغالب لا يأتي كذلك. يأتينا مثقلًا بطبقات من الاعتبارات المتداخلة ويتخفّى خلف عناوين متعددة تتراكم تحتها أسئلة الراتب والعمل والانتماء العائلي ومدى القبول الاجتماعي وحدود المستوى وما إذا كان الطرف الآخر يدخل ضمنه أم لا. يُقال شريك حياة غير أن الميزان يُنصب عند المظهر الخارجي أو عند مؤشرات الثراء أو عند الاسم والمكانة وكأن الحياة واجهة تُعرض لا مسيرة طويلة تقوم على سكن ومشاركة وتحتاج إلى كتف ثابت وروح تعرف معنى العهد.

فكر أهل البيت يضع الميزان في موضع آخر تمامًا. لا ينكر الواقع ولا يتجاهل متطلبات الحياة غير أنه يعيد ترتيب الأولويات بوضوح لا يحتمل الالتفاف. الدين والأخلاق عندهم ليسا شعارات تُرفع فهي قدرة حقيقية على الشراكة وعلى الاحتمال وعلى أن يكون الإنسان مأمون الجانب حين تتقلب الأيام. من هنا جاءت الوصايا صريحة الدين أساس والأخلاق ضمان وما سواهما تفاصيل قد تيسر الطريق أو تثقله.

الرسول ﷺ حين وجه إلى ذات الدين لم يكن يقدم خطابًا مثاليًا معزولًا عن الوضع اليومي إنما كان يؤسس لقاعدة حياة. فالشراكة المبنية على الدين لا تعني كثرة الممارسات التعبدية وحدها وإنما تعني الصدق عند الاختلاف والعدل عند الغضب والأمانة حين تفتح أبواب الإغراء. المال قد يخفف أزمات مؤقتة والاسم قد يفتح أبوابًا اجتماعية غير أن كليهما يعجز عن ترميم قلب أهمل أو روح لم تصن وتحترم.

كلام الإمام علي في توصيف خصال النساء يحمل عمقًا نفسيًا واجتماعيًا بالغ الدقة. فهو لا يدين الصفات بذاتها ولا يقلب المعايير الأخلاقية كونه يعيد وضعها في سياقها الوظيفي داخل الشراكة. فالزهو هنا عزة تحفظ الكرامة والبخل حرص يصون البيت والجبن حذر يجنب التهور.

إنها قراءة للإنسان من خلال دوره لا محاكمة له بنصوص مجتزأة. وهذا الفهم ذاته يفترض أن يحكم اختيار الرجل أيضًا فالزوج في فكر أهل البيت أمين وشريك وسند لا مالك ولا متسلط.

وقصة المياسة ابنة جابر الضحاك من قبيلة كندة بروحها لا بتفاصيلها تعيدنا إلى هذا الميزان. امرأة رفضت أن تختزل في الاسم والمكانة واشترطت الفعل معيارًا. لم تنظر إلى الثراء ولا إلى جاه القبيلة وإنما نظرت إلى الصدق في الميدان وإلى القدرة على المواجهة. وحين تحقق الشرط لم تتراجع أمام اعتراض العرف ودافعت عن اختيارها لأنها رأت الجوهر. هذا الموقف وإن بدا استثنائيًا يكشف فجوة واسعة بين ما نرفعه من شعارات وما نمارسه في واقعنا.

ومع هذا الخلل في ميزان الاختيار بدأت تظهر مفارقات باتت مألوفة في حياتنا اليومية. صرنا نسمع عبارة تتكرر وكأنها أمر طبيعي أمس خطبنا واليوم شطبنا «انفصلنا». بلا استغراب ولا وقفة. كأن المسألة تحولت إلى تجربة سريعة نقبل عليها على عجل فإن لم تستقر النفوس مضى كل طرف في طريقه.

هذا المشهد صار يتكرر مع الخاطبين الجدد بصورة مقلقة لا لأن الناس سيئون بل لأن الاختيار من أساسه قائم على أمور لا تصمد. لا توافق فكري ولا انسجام أخلاقي ولا وضوح في مفهوم الشراكة. كل شيء مستعجل وكل شيء محسوب بسطحية «الكلام لا يشمل الجميع». وحين يظهر أول اختلاف أو يبرز أول موقف أو يحدث أول احتكاك حقيقي ينهار البناء لأنه لم يكن قائمًا على أساس متين.

كثير من حالات الشطب «الإنفصال» لا تكون بسبب مشكلة كبيرة بقدر ما تكون نتيجة فراغ داخلي أو نقص نضج أو اختيار قائم على الشكل والواجهة. وعندما يحين وقت الجد يكتشف الطرفان أنهما لم يعرفا بعضهما حقًا ولم يتفقا على معنى الحياة ولا على مفهوم العشرة.

وهنا يتجلى الفرق بوضوح بين زواج تأسس على دين وأخلاق وزواج بُني على استعجال وصورة. الأول قد يتعب لكنه يصمد والثاني قد يخدع البصر لكنه ينهار عند أول اختبار.

أهل البيت لم يعزلوا الأسرة عن القرار وأكدوا على المشورة والنضج وأثبتوا في الوقت نفسه حق المرأة البالغة في الاختيار الواعي. هذا الحق ليس تمردًا فهو تحمل مسؤولية. فالمرأة التي تختار على أساس الدين والأخلاق لا تختار لنفسها فقط فهي تختار نمط حياة وبيئة لأبنائها ومستقبلًا أكثر اتزانًا.

المفارقة المؤلمة أن القيم التي نكثر من الحديث عنها غالبًا ما تكون أول ما يُضحّى به عند الامتحان الحقيقي. نشيد بالأخلاق ثم نتجاوزها إذا تعارضت مع الوجاهة ونرفع الدين شعارًا ثم نختزله في مظاهر لا تصمد أمام أول خلاف. عندها يتحول الزواج من شراكة إلى مساكنة متوترة ومن مودة إلى إدارة أزمات.

إعادة الاعتبار لفكر أهل البيت في هذا الباب ليست عودة إلى الماضي كونه قراءة واعية للحاضر. فالاختيار على أساس الدين والأخلاق لا يعني حياة خالية من التحديات إنما يعني امتلاك أدوات التعامل معها ووجود أرضية مشتركة عند الاختلاف وبوصلة أخلاقية عند التشتت.

الشراكة الحقيقية تُستدل من أثرها في الإنسان لا من حجم الأرصدة ولا من خداع الصورة ولا من مظاهر الوجاهة. من يختار وفق هذا الميزان يربح إنسانًا قبل أن يربح علاقة ويؤسس بيتًا تنبع السكينة فيه من الجذور لا من المسميات. عندئذ يغدو الزواج امتدادًا للمعنى ورسالة حياة ذات عمق لا حدثًا عارضًا ولا تجربة وقتية. وفكر أهل البيت يرسخ هذا الأصل بوضوح فصاحب الدين هو الأوثق في العشرة إن أحب أكرم وإن تبدلت المشاعر بقي العدل حاضرًا لا يتزحزح ولا يظلم.