آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 12:04 م

ليلة ويوم المبعث النبوي الشريف: إشراقة الرسالة وبداية النور وعيد الهداية الإلهية

تُعدّ ليلة السابع والعشرين من شهر رجب ويومها من أعظم المنعطفات في تاريخ البشرية، ففيهما بدأ فصل جديد من علاقة السماء بالأرض، حين اختار الله سبحانه وتعالى نبيَّه محمّدًا ﷺ ليحمل آخر رسالاته إلى الناس كافة. لم يكن المبعث حادثةً زمنية عابرة، بل كان ولادةً جديدة للإنسان، وبداية مشروع إلهي شامل لإصلاح الفكر والروح والمجتمع.

في تلك الليلة المباركة، انقشعت ظلمات الجهل، وسقطت أوهام الوثنية، وتبدّل ميزان القيم، ليقوم على التوحيد الخالص، والعدل، والرحمة، وكرامة الإنسان، وليصبح الوحي مرجعًا أخلاقيًا وحضاريًا يوجّه الإنسان في كل زمان ومكان.

المبعث: من الغار إلى العالم:

انطلقت شرارة المبعث من غار حراء، لكنها لم تبقَ حبيسة الجبل، بل امتد نورها إلى العالم كله. فبكلمة اقرأ بدأت ثورة المعرفة، وبالوحي بدأت مسيرة بناء الإنسان الواعي، وبالرسالة اكتملت ملامح القيادة الربانية التي لا تنفصل فيها العبادة عن الأخلاق، ولا الإيمان عن العدالة الاجتماعية.

لقد جاء النبي الأكرم ﷺ ليؤسس حضارة القيم، لا حضارة السيف، وليُخرج الإنسان من الخضوع للمخلوق إلى العبودية لله وحده، ومن الاستبداد إلى المسؤولية، ومن التفكك إلى وحدة الرسالة والمصير.

فضل ليلة المبعث ويومه:

أكدت الروايات الشريفة علوّ شأن هذه الليلة واليوم، فقد رُوي عن الإمام محمد الجواد أن ليلة المبعث خيرٌ للناس مما طلعت عليه الشمس، وأن العمل الصالح فيها يُضاعف أضعافًا عظيمة، حتى يعدل أجر عمل ستين سنة، وهو تعبير بليغ عن عمق الفيض الإلهي المتنزّل في هذه المناسبة.

أما يوم المبعث فقد عُدَّ عيدًا من الأعياد العظيمة، لأن فيه إعلان الرسالة الخاتمة، وبدء عهدٍ جديد في تاريخ الهداية الإلهية، ولذلك كان إحياؤه تعبيرًا عن الفرح بالوحي، والامتنان لنعمة النبوة.

المبعث في الوجدان الإسلامي:

احتلّ المبعث مكانةً رفيعة في وجدان المسلمين، لأنه يمثّل لحظة الاصطفاء الإلهي، حيث تجلّت رحمة الله بأوسع صورها، حين أرسل نبيًّا رحيمًا، وصفه القرآن بقوله:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ

فالمبعث هو بداية الرحمة العملية التي تُترجم في السلوك، وفي العلاقات الإنسانية، وفي تشريعٍ يوازن بين الروح والجسد، وبين الدنيا والآخرة.

أعمال ليلة المبعث: عبادة تُحيي القلوب:

جاءت النصوص الواردة في كتب الأدعية والزيارات، ك المصباح والبلد الأمين، لتؤكد أن هذه الليلة ليست للذكر المجرد، بل للعبادة الواعية التي تُحيي القلب وتربط الإنسان بالله.

1» الصلاة الخاصة «اثنتا عشرة ركعة»:

وهي صلاة متميّزة تُؤدّى بعد الاستيقاظ من النوم، في دلالة على الانتقال من سكون الجسد إلى يقظة الروح، تُقرأ فيها سور من المفصّل، ويُتبعها ذكر ودعاء عظيمان، يعكسان روح التوحيد والتسليم الكامل لله تعالى.

2» الغُسل

وهو رمز للطهارة الشاملة، لا للجسد فحسب، بل للنوايا والسرائر، استعدادًا لنفحات هذه الليلة العظيمة.

3» الدعاء والتوسّل

تتنوّع الأدعية الواردة، لكنها تشترك في مضامينها العميقة: الاعتراف بالتقصير، التعلّق بسعة الرحمة، وطلب القبول والمغفرة، وهو جوهر العلاقة بين العبد وربه.

4» زيارة أمير المؤمنين

تُعدّ من أفضل أعمال هذه الليلة، لما تمثّله من ارتباط وثيق بين النبوة والإمامة، وقد تواترت الروايات والوقائع عن كرامات ظهرت في هذه الليلة، حتى دوّنها بعض الرحّالة والمؤرخين، كابن بطوطة، في وصفه لليلة المحيا في النجف الأشرف.

أعمال يوم المبعث: شكر النعمة وتجديد العهد:

إذا كانت ليلة المبعث نفحة روحية، فإن يومها هو ترجمة عملية للشكر، ومن أبرز أعماله:

1» الغُسل

استقبالٌ ليوم العيد الروحي بطهارةٍ ظاهرة وباطنة.

2» الصيام

اختُصّ هذا اليوم بالصيام، وهو أحد أربعة أيام مميّزة في السنة، ويُروى أن صيامه يعادل صيام سبعين سنة، لما فيه من تهذيب النفس وربط الجسد بمقاصد الروح.

3» الإكثار من الصلاة على محمد وآل محمد

لأنها عنوان الارتباط بالرسالة، وإعلان الولاء لخط النبوة والامتداد الرسالي.

4» زيارة النبي وزيارة أمير المؤمنين «عليهما وآلهما السلام»

وهي تعبير عن الوفاء للرسالة وامتدادها العملي في خط الإمامة.

5» الصلوات والأدعية المأثورة

ومنها صلاة الاثنتي عشرة ركعة، والأدعية المنقولة عن الأئمة ، والتي تجمع بين طلب المغفرة، وسؤال الهداية، وحسن الخاتمة.

البعد الروحي والتربوي للمبعث:

إحياء المبعث لا يكتمل دون استحضار رسالته التربوية؛ فهو دعوة دائمة إلى تزكية النفس قبل تزكية المجتمع، وبناء الأخلاق قبل بناء الشعارات، وتحويل الإيمان إلى سلوكٍ يومي، واستحضار النبي ﷺ قدوةً في الرحمة، والحلم، والعدل، فالمبعث مشروع حياة، لا ذكرى موسمية.

المبعث وبناء الإنسان المعاصر:

في عالمٍ يزداد اضطرابًا، تبقى رسالة المبعث قادرة على إعادة التوازن للإنسان المعاصر؛ لأنها رسالة تحرّر العقل من الخرافة، وتحرّر الروح من الفراغ، وتحرّر المجتمع من الظلم

وتعيد للإنسان إنسانيته تحت مظلة العبودية لله.

خاتمة:

إنّ ليلة ويوم المبعث النبوي الشريف هما مدرسة متكاملة في الإيمان والمعرفة والأخلاق. فيهما يتجدّد العهد مع الله، وتُستعاد روح الرسالة، ويُدعى المؤمن ليكون امتدادًا حيًا لبعثة النبي محمد ﷺ، قولًا وعملًا وسلوكًا.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتمسّكين بنور المبعث، والعاملين برسالة النبي، والمستضيئين بهدي أهل بيته الطاهرين، وأن يرزقنا في هذه المناسبة المباركة صفاء القلوب، وقبول الأعمال، وحسن العاقبة.

كل عام وأنتم بنور المبعث أقرب، وبالهداية أثبت، وبالرسالة أوفى.

استشاري طب أطفال وحساسية