تحت ظِل عباءة جدتي

حينما أفكّر في جدتي، تتشكل في ذهني صورة كاملة: حجاب مزركش، لهجة مميزة، نمط اجتماعي متكامل يشمل أصناف الطعام، الزيارات بين النساء في جيلها، وحتى تفاصيل العقائد والممارسات المنزلية اليومية. كل هذه الموروثات والتقاليد تحدد في ذهني ”شخصية الجدّة“.
ولا أعلم لماذا تذكرت مقالة ”ماعنكم غطاء“ لمضاوي الدخيل، التي ناقشت فيه تطور الغطوة بوصفها عنصرًا من عناصر اللباس، وكيف تتحرك العادات عبر الأجيال من الأجداد إلى الآباء ثم الأبناء. من هنا، يبدو مؤكدًا أن الجدة القادمة، بوصفها نتاجًا لزمنها، ستختلف في لباسها وأحاديثها واهتماماتها، وستعكس حداثة الجيل الجديد أكثر من تقاليد الماضي.
ففي الماضي، كانت الجدة تروي لنا الحكايات الشعبية، تبدأ بـ ”كان يا ما كان“ وتحمل عبرًا، أو تخويفًا وترهيبًا مثل ”أم السعف والليف“ التي تعلّم الأطفال الدروس الحياتية من محيطهم.
وتنطق أمثالًا مثل:
”الحي يحييك والميت يزيدك غبن“ لتبيّن أثر من تخاويه عليك،
أو تقول: ”اللي ما يعرفك ما يثمنك“ تنبيهًا إلى أن الغشيم بك لا يقدّر جوهرك.
لكن اليوم خطر لي سؤال تأملي: هل الصورة التي نعرفها عن الجدّة ضمن قالبها التقليدي ستستمر مع الأجيال المقبلة؟
هل ستندثر بعض العادات مثل صنع القهوة العربية و”المفتوت“ لتصبح طقوسًا محدودة بدل أن تكون جزءًا من الحياة الاعتيادية؟
من المرجح أن تتغير طريقة تفاعل الجدة مع محيطها. الزيارات اليومية وأحاديث الجارات ستقلّ، وربما تُستبدل الوجبات التقليدية بأطعمة عصرية يومية. فالطعام جزء من الفلكلور، ومع تغيّر الممارسات الحياتية تتغير الذكريات المرتبطة به.
كما كان يحدث في فترة نفاس الأم، حيث توضع العلاجات الشعبية في أطباقها تقويةً للظهر والرحم، لكن هذه الأطعمة، مثل الرز الحساوي أو الهريسة، لم تعد متطلبًا لصيقًا تقوم به جدات اليوم.
وإذا تأملنا معنى إعداد الطعام لدى جدات الماضي، سنجده علاقة وثيقة لا مجرد اختيار. علاقة بالجسد، بوصفه تقوية وعلاجًا ودفئًا، وعلاقة بالوقت، تحضيرًا طويلًا وانتظارًا، وعلاقة بالآخرين، حيث تتشارك أكثر من امرأة في صنعه للأسرة أو للضيف إن حلّ.
أما اليوم، فقد أخذت هذه العلاقة طابعًا استهلاكيًا أسرع، لا يعلق في الذاكرة الجمعية كما كان يفعل في الأيام الخوالي.
ولعل هذا التحول لا يوصف بكونه فقدانًا بقدر ما هو تبدل في العيش. ولذا يقول ابن خلدون في مقدمته الشهيرة:
”اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم من المعاش“.
في الماضي أيضًا، كان سوق القيصرية في الهفوف جزءًا من حياة الجدات، مكانًا لا يُستغنى عنه في التسوق والحصول على احتياجات البيت من التوابل والتمر والبن والأقمشة. كانت الزيارة إليه طقسًا اجتماعيًا يجمع الأسرة والجيران، يكتظ بالضحكات والمفاوضات على الأسعار، وتبادل القصص والأحاديث بين الجدران القديمة للممرات الضيقة، مكانًا تترسخ فيه ذاكرة المكان ضمن تفاصيل الحياة اليومية.
ومع تغيّر هذه الطقوس، تغيرت كذلك وسائط الحكاية. فوجود الإنترنت والهواتف والألعاب الحديثة نقلنا من راديو العائلة في البيت الواحد، ومن طفولة جداتنا المليئة بالحكايات القديمة، إلى قصص معاصرة نرويها لأطفالنا.
كما تنتقل اليوم حكايات الحياة اليومية داخل العائلة والمجتمع، مثل أول هاتف ذكي دخل البيت، أو المحلات القديمة التي اختفت تحت ناطحات السحاب، أو الأقارب الذين تركوا بلدانهم للعمل في الخارج. كل هذه القصص تمثل ذكريات رمزية تشكّل جزءًا من الذاكرة الحديثة التي ستتوارثها الأجيال القادمة.
ويبقى السؤال: هل ستفتقد الأجيال المقبلة الحميمية البسيطة لجدتها، عفوية أهل الريف وجاذبيتهم، وطريقة التعبير عن عواطفهم؟
ربما لن يبقى لهم ما يمكن تذكره عن تلك ”الزمنات“ سوى بعض الذكريات وتحميض الصور وتأملها لاحقًا.
وبالعودة إلى الثمانينات، في مسلسل خالتي قماشة، لم تكن قماشة مجرد أم مسيطرة متعنتة، بل أرادت أن تظلل أحفادها بحضورها اليومي وحبها القريب.
وكذلك في مسلسل كحل أسود، قلب أبيض، الذي تدور أحداثه في ستينات القرن الماضي، تبرز الجدة ”منيرة“ كتاجرة محبة للذهب، تؤكد أهميته كأمان مالي واستثمار.
ولا تزال الجدة الحديثة تقدّر الذهب، رغم وجود الألماس والموضة الحديثة، في مزيج يعكس تداخل التقليد مع الحداثة.
وفي خضم الحديث عن الزينة، لا يمكن نسيان الحناء، ذلك الرمز الأصيل في ثقافتنا في الجزيرة العربية. فقد عرفه القدماء كنبتة علاجية ووسيلة جمالية في الأعراس والمواليد. لكنه اليوم أقل حضورًا، ومحصور في مناسبات محددة، ولم يعد لصيقًا بالنساء كما كان سابقًا، وإن لم يندثر تمامًا.
أما في الملابس، فالحجاب واللباس الطويل، حسب ظني، سيتغير شكلهما. صحيح أنهما قد لا يمثّلان صورة ”الحبابة التقليدية“، لكنهما قد يأخذان طابعًا أكثر عصرية مع بقائهما ساترين وعمليين.
ويكفي أن ننظر حولنا لنرى جدات انتُزع عنهن لقب الأمومة فقط ليضاف إليهن لقب الجدة فجأة بوجود الأحفاد، بينما لم تعد ملابسهن تشبه الماضي كما نعرفه.
في النهاية، أشعر بمزيج من الحزن والفرح. رغبة في الإمساك بعباءة جدتي لعبور شارع طويل برفقتها، وفضول لمعرفة كيف ستبدو الجدة القادمة مع حريات العصر الجديد وطبيعة العلاقات الحالية.
لا أقصد التقليل من جدة اليوم ولا تقديسًا مطلقًا لجدة الماضي، فلكل زمن طابعه ونسقه الخاص.
لكن؛ ربما لن يبقى من تلك الزمنات إلا ما لم ننتبه له لحظتها، بعد أن نُحمّض الصور ونتأملها سويًا. وربما لن تشبه الجدة القادمة جدتي، ليس لأنها أقل حنانًا، بل لأن الزمن علّمها أدوات مختلفة. تصنع فيه عباءتها الخاصة، ونحن من يقرر إن كنا سنراها أم ننشغل عنها.
















