آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 11:02 ص

علي بن يقطين: قلبٌ في المحراب.. وجسدٌ في القصر

المقدمة:

إشكالية الولاء والسلطة في دهاليز السياسة العباسية حيث كان الشك سيد الموقف والوشاية أقرب الطرق إلى الثراء برزت ظاهرة ”الاختراق الرسالي“ التي قادها الإمام موسى بن جعفر الكاظم لم تكن هذه الظاهرة مجرد زرع للجواسيس بل كانت تمكيناً لشخصيات قيادية تمتلك الكفاءة الإدارية العالية والولاء العقائدي الراسخ وعلى رأس هؤلاء كان علي بن يقطين الوزير الذي أدار امبراطورية هارون الرشيد بختمه بينما كانت روحه تأتمر بأمر سجين بغداد يغوص هذا المقال في تفاصيل هذه الحياة المزدوجة مستعرضاً كيف نجح رجل واحد في أن يكون درعاً للمؤمنين من داخل خندق أعدائهم.

النشأة والجذور:

التوريث السياسي المقلوب هو المفارقة الأولى في حياة علي بن يقطين تبدأ من والده الذي كان داعيةً عبّاسياً متحمساً وملاحقاً من قبل الأمويين حتى أنه لعب دوراً محورياً في تأسيس الدولة العباسية التي نشأ علي في حجرها ورضع لبان السياسة ودهاليز القصور منذ طفولته في اروقتها، يقول المؤرخون إن يقطين هرب من مروان بن محمد «آخر خلفاء بني أمية» وحملت زوجته ابنهما علياً إلى المدينة المنورة وهناك تغذى بالولاء لأهل البيت بينما كان أبوه يبني مجد العباسيين وعندما عادت الدولة للعباسيين عاد علي إلى الكوفة والتحق بالبلاط لكنه حمل معه قلب المدينة المحمل بحب اهل البيت لا طموح الكوفة «الخطيب البغدادي، 2001».

لماذا أصر الإمام الكاظم على بقائه في حكومة بني العباس؟

لم تكن مسألة بقاء علي في السلطة خياراً شخصياً بل تكليفاً شرعياً رغم تكرار محاولات علي للاستقالة منها عدة مرات وفي كل مرة كان يأتي الجواب حاسماً. روي أن علي بن يقطين كتب إلى الإمام الكاظم : إن قلبي يضيق مما أنا فيه فإن أذنت لي هربتُ منه، فرد عليه الإمام: لا آذن لك في الخروج من عملهم واتق الله. «الطوسي، 1411 هـ».

وبتحليل هذا الموقف من الإمام نراه يؤسس لمفهوم الواجب الكفائي السياسي بوجود شخص نزيه في قمة هرم السلطة الفاسدة يمنع كوارث لا يمكن دفعها من الخارج.

وتوجد شواهد ومواقف كانت حياة علي بن يقطين عبارة عن سير متواصل في حقل ألغام كل كلمة وحركة كانت محسوبة والشواهد على هذا كثيرة منها:

1. قصة الحج واللقاء السري:

في إحدى السنوات استأذن علي بن يقطين الرشيد العباسي للحج فوافق وأعطاه كسوة ومرافقين لتعظيم شأنه وكان الهدف الحقيقي لعلي هو لقاء الإمام في المدينة ولم يستطع الذهاب للقاء للإمام علناً بل تخفى والتقى به ليلاً لتلقي التوجيهات والمسائل الشرعية وتسليم الحقوق المالية التي جمعها من الشيعة لتوزيعها على الفقراء دون أن تلفت انتباه جواسيس الرشيد «المجلسي، 1983».

2. حادثة إبراهيم الجمال «درس في التواضع والتربية»:

هذه القصة تبرز الجانب التربوي الصارم للإمام مع وزيره. روي أن إبراهيم الجمال - رجل بسيط فقير - أراد الدخول على علي بن يقطين فحجبه - ربما لانشغاله أو للظروف الأمنية - وعندما حج علي بن يقطين في تلك السنة ذهب لزيارة الإمام الكاظم فرفض الإذن له بالدخول وقف علي باكياً وسأل عن السبب فقيل له: لأنك حجبت أخاك إبراهيم الجمال وعندها قال له الإمام : ”لا أغفر لك حتى يغفر لك إبراهيم“ عاد علي مسرعاً للكوفة وذهب لبيت إبراهيم ووضع خده على التراب وطلب من إبراهيم أن يطأ خده بقدمه ليذل نفسه تكفيراً عن تكبره - ولو غير المقصود - على مؤمن. وهنا كانت رسالة الإمام كانت واضحة: ان المنصب السياسي لا قيمة له إذا أدى إلى التعالي على الناس. ”أنت وزير لخدمتهم لا للترفع عليهم“ «الصدوق، 1413 هـ».

منهجية وسياسات علي بن يقطين كوزير؟

كان علي بن يقطين يجمع الضرائب والخراج بصفته الرسمية لكنه كان يعيد أموال المخالفين «الشيعة» إليهم سراً أو يسقطها عنهم بحجج إدارية أو يدفعها من ماله الخاص لبيت المال ليحمي الفقراء «الأمين، 1983».

كما كان بابُه هو النافذة الوحيدة التي يتنفس منها المظلومون كان يوقع الكتب ويأمر بالصرف لقضاء حوائج الناس مطبقاً حديث الإمام : ”إن لله عباداً في الأرض يسعون في حوائج الناس هم الآمنون يوم القيامة“.

وشاءت الأقدار وانتهت أيام الوزير الموالي في حياة الإمام الكاظم وتحديداً سنة 182 هـ بينما كان الإمام مسجوناً في بغداد وقد حزن عليه الإمام حزناً شديداً وروي أنه قال: أما إني قد ضمنت لعلي بن يقطين الجنة «الكشي، 1404 هـ». توفي وهو لا يزال في منصبه ومكانته ليختم حياة مليئة بالتوازن المستحيل ويترك إرثاً سياسياً فريداً.

وبالتالي قصة علي بن يقطين ليست مجرد تاريخ يُسرد بل هي منهج حياة ورسالة لكل من يتقلد منصباً في دولة قد لا تتفق مع قناعاته مائة بالمائة الدرس هو: لا تترك الساحة للفاسدين بل ادخل وتمكّن واخدم الناس واحمِ المستضعفين. إن ”القلب في المحراب“ يمنحك البوصلة الأخلاقية و”الجسد في القصر“ يمنحك القدرة على التنفيذ لقد كان علي بن يقطين برهاناً ساطعاً على أن رجل العقيدة يستطيع أن يكون رجل دولة ناجحاً دون أن يبيع مبادئه.

أستاذ في كلية الإمام الكاظم عليه السلام بالعراق