آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 12:04 م

الفكرة... أهي تعثّر أم تبعثر؟

حسين مكي المحروس

جلست على مكتبي، ورقة بيضاء أمامي، وقلم بين أصابعي. شطح ذهني قليلًا نحو الفيزياء متسائلًا: هل حقًّا أنا أمسك بالقلم؟ وهل رأسه يرتمي في حضن الورقة؟

تراءى لي لوهلة أننا نعيش داخل خدعة كبرى سمّيناها «اللمس». نضع أيدينا على الأشياء، نمسك، نضغط، نحتكّ؛ فيُخيّل إلى عقولنا جزافًا أننا على تواصل وتماس مع العالم من حولنا. بيد أن الفيزياء لها رأي آخر يبدد هذا الوهم؛ إذ لا شيء في هذا الكون يستطيع حقًّا أن يتماس ويلتصق بالآخر. إن بيننا وبين كل ما حولنا ثمة مسافة مجهرية جامحة وعنيدة، من ذرات تتنافر، وإلكترونات تتباعد بميزان دقيق من القوى. فلا شيء يتداخل في صميم شيء آخر، فضلًا عن تعقّل مجرد الملامسة. وبالرغم من ذلك، فإننا اصطلاحًا نكتفي باستشعار لطيف يوهمنا بالترابط، غير أن الحقيقة المريرة هي أن أقصى ما نصبو إليه هو غاية القرب من دون وهم التلامس.

بمنطق الخديعة نفسه نحاول قُدُمًا خلق جو من التواصل بالأفكار من خلال الكتابة مثلًا، من دون تحققِ واقعية الاندماج الفكري.

يا للدهشة! فقد ساد في الغرفة من جديد صمت رهيب، وفي الأثناء يلفّها شيء من الترقّب والفضول. وكفكرة قاصرة بدأت تتشكل في عقلي، نعم هي في طيّاتها هشّة، لكنها تحمل في بواطنها وعدًا صادقًا. رفعت القلم ببطء، كأنني أخشى أن أزعج كيان فكرتي، خشية أن أفقدها قبل أن تبصر النور. شعرت بحرارة خفيفة تسري في راحة يدي، رائحة الحبر، صوت زحف القلم على الورق وهو يشق طريقًا يشبه ما نعانيه من شقّ مختلف طرائق الحياة. كأن كل شيء حولي يهمس: لعل الحياة في بعض جوانبها تتداخل وتتلامس بوجدانٍ لا يُرى إلا بالعين الباصرة؟

كتبت السطر الأول ثم الثاني، بينما كل حرف يمرّ عبر أصابعي وكأنه يترك بصمته الخاصة في العالم حولي، وكأن الخاطرة نفسها بدأت تنبض وتتنفس. قصيرة، لمست فيها أن هذه الفكرة هي ملك خاص لي وحدي، ناصعة حاضرة بلا أي تشويش وبلا أي تداخل خارجي. لكن، كشأنِ كل الأشياء الجميلة، لم تدم هذه الحالة من الصفاء طويلًا، ما لبثت أن تلاشت قبيل الانتهاء من روح النص.

استأنفت معاناتي من جديد حين حاولت نقل الفكرة إليك يا قارئي العزيز. بدأ التشويش والضجيج الخفي يتسلل لهالة الخاطرة وحياضها، فغدت كالطائر الذي للتو قد أُفرج عنه. شعرت بالخوف عليها، فأنّى لي بقفص ذهبي يستوعبها ريثما ينجلي الغبار؟ كان وجلي يتدفق من زاوية الكلمات نفسها التي قد تصيب معنى مختلفًا لدى من يقرأها. هل ستؤثر تجارب القارئ السابقة فتعيد صياغة المعنى إلى ركن مغاير لذاك الذي أنا قصدت؟ هل سيكون لأمزجة يومه ظلٌّ فتحجب جزءًا من الصورة التي وددت رسمها؟ أحيانًا أشعر أن الكتابة في صميمها هي طيف من صراع صامت. فبينما أنا أرسلها، أنتظر أن تلج الفكرة بهدوء إلى ذهنك، بينما أنت على الجانب الآخر قد لا ترى إلا النزر اليسير من اللوحة الكاملة، أو قد تفسرها بمنطق متباين عما أردت. أو إن شئت فقل ربما «فيما يندر من حالات» قد توصد أنت الباب بعنف في وجهها قبل أن تصل هي إليك.

ومع كل محاولة، تتكشف معاناة الكاتب من جديد، فالشك يساوره باستمرار؛ خوف من سوء الفهم، أو من ضياع جزء من المعنى، ومن أن تصطدم خواطره بجدار هلامي لا يراه إلا هو. كأنك تصرخ من نافذة صغيرة، فيسمع صداك شخص في الخارج، لكنك لست متأكدًا ولست أبدًا على يقين مما قد وصل إليه فعلًا من جواهر مبتغاك وهمسات رسائلك. كل مرة أكتب فيها، أشعر بثقل الكلمات على صدري، بحجم الفراغ الذي قد يتركه الفشل في إيصال الرسالة الجليّة. أعي تمامًا حقيقة أن لكل كلمة حياة وروحًا وبصمة ونبضًا ونَفَسًا خاصًّا بها، لا يمكن أن تصل الكلمة للقارئ بجميع تفاصيلها، ببصمتها، بجسدها، بروحها، إلا لمن أصرّ على أن يقرأها بعين باصرة وقلب مفتوح.

من هنا شدد القرآن الكريم على ضرورة التفكّر في الآيات وليس مجرد قراءتها والانشغال بالتغني بصوت من يلحنها.

عودًا على بدء، فبالرغم من كل ذلك التشويش، إنصافًا لا يحسن ألا نغفل أن هناك جمالًا ومتعةً ولذةً في خضم أتون تلك المعاناة ذاتها. إعادة صياغة المحتوى هي تثبيت لحقيقة أن كل سطر يحمل على عاتقه مهمة فك شيفرة بعينها تكمن في خلد القارئ. بل إن كل لحظة صمت بين السطور هي انعكاس لتردد الكاتب وحيرته قبل أن يصوغ الجملة اللاحقة. إنه تعبير عن مستوى من التجرد الذي ينتاب الكاتب ليمنح الفكرة فرصة أطول للبقاء في ذهن قارئه. لعلك تتفق معي على أهمية أن تصل لك الأطروحة متوازنة، والأولى من ذلك أن نبدأ السردية في تعبيد طريق الحضور والتواصل الذهني بين القارئ والكاتب، وذلك بغية أن تترك أثرها فيه، وأن تفتح نافذة في نفسه ليرى ما تعمد كاتبه عدم البوح به. نُجمل فنقول: إن الفكرة يا صديقي قد ينتابها ضرب من التبعثر في الطريق، مع ما ينتابها من ضوضاء وضجيج، ولكنها ستظل حية في ذهنك، كنبع زُلال يصرّ على التدفق، مهما حاولت معوقات التحاور إيقافه.

الكتابة إذن لا ينبغي أن تختزل في مهمة نقل المعنى ميتًا أصمًّا بدون أدنى روح، فمع كونها رحلة بين عقلين وروحين نابضتين، تصبح المسؤولية المشتركة لكل من الكاتب والقارئ أشدّ عمقًا وأكثر إلحاحًا لدى محاولة فك الشفرات بين الحروف وبين ما يختبئ خلفها من معانٍ صافية. ذلك مع كون البرزخ بين الوضوح والتشويش، والغشاء بين الصوت ورتابة الصمت، يتمازجان لاكتمال الصورة ووضوحها. رحلة تحرير الفكرة، مهما تبعثرت، ستبقى طرية حية، تنتظر من يفهمها، ومن يستنطقها، ومن يمنحها الفرصة بأن تصبح جزءًا من وعي المجتمع وسلوكه.

وفي النهاية، يدرك الكاتب أن تبعات فشله في إيصال جميع أجزاء مكونات فكرته ليست كارثيةً، بقدر ما هي تجربة ودرس عملي. درس مجاني في الصبر والتقدير والصمت بعمق، وفي استيعاب أن هذا الهاجس، من التبعثر، لا يلبث أن يحمل في طيّاته حيوية تفرض نفسها على الوعي الجمعي. هو واثق من أن أفكاره سوف تستمر لاحقًا في الانبعاث من عقل إلى عقل، ككنوز لا تنضب، حتى وإن خفت وهجها لبُرهة يسيرة. تذكّر أن جلّ ما يرنو إليه الكاتب هو أن تكون هناك لحظة واحدة، ومضة قصيرة من نور، تصل فيها خاطرته إلى قلب قارئ واحد على الأقل، لتبدأ دورة التغيير والتأثير.