آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 11:02 ص

إعادة هندسة الكرم: بين زيف «الهياط» وأصالة الامتنان

المهندس أمير الصالح *

ماذا تفهم من نص الحديث النبوي الشريف: «البخيل من ذُكرت عنده فلم يصلِّ عليّ»؟ اللهم صلِّ على محمد وآل محمد. الفهم المتواتر بين الناس أنّه عند سماع اسم النبي محمد ﷺ، فمن الأخلاق الحسنة والإقرار بالجميل والامتنان للمعروف الذي بلّغه النبي لنا أن نصلّي عليه، وهو بحدٍّ أدنى قراءة الصلاة على النبي محمد وآل محمد ﷺ.

أما عن صفة الكرم، فقد وجب نفي صفة البخل وردّ المعروف لأهل الجميل، والإقرار بإحسان الآخرين لنا؛ وهي أمور يتكامل فيها الشخص الراقي والمهذب والأصيل رقيًّا وأدبًا وأصالةً عبر ممارستها وصقل أدائها والثناء على المتفضل بها. ولكن، هل في عالم اليوم نجد تحققًا لهذه الأمور على أرض الواقع، أم أن أغلب الناس - وحتى بعض الأزواج والأبناء والأصدقاء - أضحت سمة نكران الجميل لديهم كحد أقصى، أو الشح بقول كلمة ”شكرًا“ كحد أدنى هي السائدة في التعامل؟!

هندسة مضللة لمفهوم الكرم

بسبب تكاثر المحتوى الإعلامي المغلوط والمنشور بشكل هندسي مضلل ترويجًا ساذجًا لمفهوم الكرم كما يقدمه بعض ”المهايِطين“، انصرف الانطباع العام عند أغلب الناس إلى أن صفة الكرم لصيقة فقط وفقط بكبر حجم الموائد، وكثرة الولائم، وتنوع صنوف الأكل من المشويات والحنيذ والمندي والمحشيات، وتعدد أطباق الحلوى والمعجنات، وكثرة أنواع المشروبات. ولا أفق آخر لمعنى الكرم في بعض الأذهان غير كثرة الإسراف في تقديم الطعام والشراب. نعم، من سمة أهل الكرم الاحتفاء بالناس وتقديم الطعام بكميات مناسبة، ولكن ألا يصل لحد الإسراف؛ فعندئذٍ يكون المسرف أخا الشيطان، والشيطان يعد الناس بالفقر والحاجة.

﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [الإسراء - 27]

﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة - 268]

الأمثلة تُضرب ولا تُقاس

مثال 1: عدد كبير من أعضاء مجموعة افتراضية ”قروب“ يرون ويشاهدون مقاطع فنية ويقرؤون مشاركات نوعية مميزة على مدى سنوات، ويبخلون بقول ”شكرًا“ لكاتبها أو ناقلها أو مخرجها أو منتجها!! هل هذا من كرم الأخلاق أم أنه من نكران الجميل؟!

مثال 2: عدد من الناس يحضرون مجالس للذكر والإرشاد في بيوت الله ومجالس الناس الطيبين، ولكنهم بدل الثناء والشكر يتدافعون على أخذ البركة كأنما ينقضون على غنائم حرب. هل هذا من كرم الأخلاق أم أنه من نكران الجميل؟!

مثال 3: عدد ليس بالقليل يحضرون الأعراس تلبية للدعوة، ولكن بعضهم يفسدون الأجواء بالنقد المستمر لما تم تقديمه، ومكان الفرح، ونوع الطعام، بدل الثناء والإطراء والشكر. هل هذا من كرم الأخلاق أم أنه من نكران الجميل؟!

مثال 4: عدد من الرجال / عدد من النساء؛ عند أول تعارض للآراء أو إخفاق أحدهم في أداء أو تقصير غير متعمد، تشتعل الحرب وتُستدعى القوات الأسرية للتدخل!!! هل هذا من كرم الأخلاق أم نكران الجميل؟!

مثال 5: عدد من أهل العلم «الديني / الأكاديمي / الطبي / التعليمي»؛ عند أول تعارض للآراء أو إخفاق أحدهم في أداء أو تقصير غير متعمد، تشتعل المواقع والمنتديات وتُستدعى الاصطفافات للتسقيط والنبذ!!! فهل هذا من كرم الأخلاق وأهل العقل أم أنه من نكران الجميل؟!

من المستفيد؟

حتماً هناك مستفيدون من سوء توظيف صفة الكرم وحشرها في زاوية البذل المسرف والتفاخر والاستفزاز بالأطعمة والحلويات. ويبدو لي أن أكبر المستفيدين هم: الطبالون الذين يقتاتون على موائد من يحب ”الهياط“ والمفاخرة بتقديم الطعام دون مبررات ودون مناسبات، وتجار المواد الغذائية لزيادة مبيعاتهم، ومحلات إعداد الحلويات ومنافذ بيع القهوة، وتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي التي تحفز الناس على المقارنة واستنساخ تجارب النفاق الاجتماعي. هدر الموارد المالية في التبذير والإسراف حتماً سيؤدي إلى إهدار فرص حالية ومستقبلية لأجيال قائمة وقادمة من تضخيم الثروة عبر الصناعة والتجارة والعمران والنمو والابتكار.

تصحيح مفهوم الكرم

يجب إعادة خوارزميات المفهوم الصحيح لمعنى ومصاديق صفة الكرم لتتخطى الطعام إلى أمور عدة، منها: إكرام الوالدين، والأبناء، والزوجة، والجيران، وأبناء الوطن، والإنسان، والكائنات الأخرى. من الصحيح والواجب:

أ - إكرام الأولاد عن طريق دعمهم بالتعليم المستمر والمساندة والتشجيع والتحفيز والحب، وتوفير سكن لائق وتهيئة طيب المكان وتوفير الأغذية المناسبة، والنصح والإرشاد.

ب - إكرام الزوجة عن طريق دعمها بالمساندة والتشجيع والتحفيز وحسن التبعّل، وتوفير كل ما يستطيع الزوج توفيره لها دون إسراف أو تبذير أو منّ أو أذى، وتعزيز قيمة وجودها بالأسرة، وحسن الإصغاء لها، وفتح باب الحوار معها، وتجنب جرح مشاعرها، وتعزيز الشعور بالأمان لديها في وجود زوجها.

ت - إكرام الوالدين عن طريق دعمهما بالمساندة والبذل والتحفيز وحسن الإصغاء، وتوفير كل ما يستطيع الابن القادر توفيره لهما دون إسراف أو تبذير أو ترويج دعائي أو منّ وأذى، وتعزيز قيمة وجودهما بالأسرة وإن بلغا عتيًّا من السنين، وحسن الإصغاء لهما، وحفظ كرامتهما، وتجنب جرح مشاعرهما، وتجنب ما قد يسبب الإحراج لهما.

ث - إكرام الجيران بحسن الجيرة وكف الأذى ومد يد العون عند الحاجة الملحة.

ج - إكرام العلماء والأكاديميين بحسن الاحترام لهم والاعتداد برأيهم والمؤازرة لهم، وتجنب استحقارهم أو التهكم عليهم. نعم، الانتقاد الإيجابي حق ويجب تقديمه بكل أدب وحفظ للكرامة.

ختامًا، نذكر بأنه يجب تجنب الأشخاص الذين - كما ورد وصفهم في أحد توجيهات الإمام علي :

”يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ ومُصَادَقَةَ الأَحْمَقِ، فَإِنَّه يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرَّكَ، وإِيَّاكَ ومُصَادَقَةَ الْبَخِيلِ، فَإِنَّه يَقْعُدُ عَنْكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْه، وإِيَّاكَ ومُصَادَقَةَ الْفَاجِرِ، فَإِنَّه يَبِيعُكَ بِالتَّافِه، وإِيَّاكَ ومُصَادَقَةَ الْكَذَّابِ، فَإِنَّه كَالسَّرَابِ، يُقَرِّبُ عَلَيْكَ الْبَعِيدَ، ويُبَعِّدُ عَلَيْكَ الْقَرِيبَ“.

فيا أيها القارئ المحترم، لا تجعل نفسك عرضة للحمقى الذين يريدون أن يستفزوك تحت أي عنوان ليستنزفوك عاطفيًّا وماليًا، وبعد استنفادك يراودون شخصًا آخر، وهكذا دواليك.