المرأة والإدارة: معركة الكفاءة لا النوع
يُعدّ حلم التميّز وتحقيق الذات من أسمى الطموحات التي ترافق الإنسان رجلًا كان أم امرأة، غير أن بلوغ هذا الطموح لا يتحقق بمجرد التمني أو الاكتفاء بالأحلام، بل يتطلّب إرادة صلبة واستعدادًا حقيقيًا لبذل الجهد ومواجهة التحديات.
صحيح أنّ هناك فروقات واختلافات طبيعية في الاهتمامات والميول بين الرجال والنساء، إلا أن هذه الفروقات لا تمثل معيارًا للحكم على الكفاءة أو القدرة على الإنجاز، بقدر ما تُعبّر عن تنوّعٍ إنسانيّ مشروعٍ يُثري بيئات العمل ويُعزز التكامل داخل المؤسسات.
وانطلاقًا من هذا المبدأ يمكن أن نقول إن مشاركة المرأة في مجال الإدارة والرئاسة ليست معركة نوعٍ أو جنسٍ أو صراع نفوذ، بل هي معركة كفاءة وقدرة وإثبات ذات؛ فالنجاح الإداري لا يُقاس بكون المدير رجلًا أو امرأة، وإنما بما يقدمه من إنجازات وما يمتلكه من مهارات وقدرة على تحقيق النتائج.
وهنا يبرز تساؤلٌ مشروع، وهو: لماذا يُعدّ الحسم أو الانضباط أو الجدّية صفةً قياديةً لدى الرجل، بينما يُفسَّر عند المرأة على أنه تشدّد أو تطرف أو مزايدة؟ ولماذا تُحاسب المرأة إداريًا بمعايير مضاعفة، بينما يُفترض أن يكون التفرّد أو التميّز معيارًا للكفاءة؟ وكيف نرد علميًا وواقعيًا على المخاوف من تزايد أعداد النساء في المناصب الإدارية في سوق العمل؟
غالبًا ما يُنظر إلى حزم الرجل في العمل على أنه دليل قوة وحسن قيادة، بينما يُفسَّر الحزم نفسه عند المرأة على أنه تشدّد أو صعوبة في التعامل، لا لأن الأسلوب مختلف أو النتائج أقل، بل لأن النظرة هي التي تختلف؛ فما زالت كثير من بيئات العمل تتعامل مع القيادة على أنها دور ذكوري، أو دور مرتبط بالقوة والخشونة، وتنتظر من المرأة اللين أكثر مما تنتظر منها الحسم أو الحزم.
وحين تتخذ المرأة قرارًا إداريًا واضحًا أو تضع حدودًا مهنية في العمل، يُقيَّم سلوكها من زاوية شخصية لا مهنية، فتوصف بالقسوة أو الصرامة، في الوقت الذي يُمنح فيه الرجل التقدير على السلوك نفسه، وهنا لا تكمن المشكلة في الكفاءة ولا في النتائج، بل تكمن في الاعتراف بكفاءة المرأة داخل المؤسسات.
يعتقد البعض واهمًا أن تمكين المرأة في الإدارة يعني إقصاءً للرجل أو تقليصًا لدوره، وهو اعتقادٌ خاطئ نابعٌ من فهمٍ قاصر لمفهوم التمكين ذاته؛ فهو لا يقوم على الإقصاء أو إزاحة طرفٍ لصالح آخر، بل يقوم على تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص، وإتاحة المجال أمام الكفاءة بغض النظر عن النوع.
ومن هذا المنطلق تتشكل مجموعة من الأسباب التي تعيق الاعتراف بكفاءة المرأة في المؤسسات، ولعل من أبرزها:
1- الخوف من فقدان الامتيازات التقليدية
ينظر بعض الرجال إلى صعود المرأة إداريًا على أنه تهديدًا مباشرًا لمكانتهم، لا إضافة نوعية لبيئة العمل؛ وبالتالي فإن الصورة النمطية الموروثة تلعب دورًا كبيرًا في ترسيخ الشك بقدرة المرأة على القيادة واتخاذ القرار، رغم ما أثبتته من نجاحات عملية.
وقد أشارت دراسات في علم الاجتماع التنظيمي إلى ما يُعرف بـ «التهديد بالمكانة»، وهي حالة من القلق تنشأ لدى بعض الفئات نتيجة خشيتهم من فقدان احتكارهم للنفوذ أو الاحترام أو الامتياز.
وفي هذا السياق، تؤكد أبحاث أكاديمية مثل دراسات ليندا كارلي وأليس إيكلي أنّ التشكيك في قدرة المرأة القيادية لا ينبع من ضعف أدائها، بل من الصورة النمطية الموروثة التي رسخت القيادة بوصفها دورًا ذكوريًا، ومما يُجسد ذلك القول الشائع في أدبيات العدالة التنظيمية: «الامتياز يبدو طبيعيًا لمن يملكه، لكنه يُعدّ تهديدًا حين يُشارك فيه الآخرون».
2- ازدواجية المعايير في تقييم الأداء
غالبًا ما تُطالب المرأة بإثبات كفاءتها بشكل مستمر ومضاعف، بينما يُمنح الرجل ثقةً مسبقة قد لا تُسحب منه حتى في حال الإخفاق، وقد بيّنت دراسة لمعهد Catalyst أن النساء يحتجن إلى سجل إنجازات أطول لإثبات الجدارة نفسها التي يُفترض توفرها لدى الرجال.
فعندما يُخفق رجل في مشروع إداري، على سبيل المثال، يُفسَّر ذلك عادة بوصفه تجربة أو مُخاطرة مهنية، أما إخفاق المرأة في المشروع ذاته فيُنظر إليه كدليل عام على عدم أهليتها للقيادة، وهو ما يُلخّصه قول شائع في دراسات القيادة: «يُكافأ الرجل على إمكاناته، بينما تُحاسب المرأة على أدائها»، وهي مقولة لا تُدين الرجل ولا تُجامِل المرأة، بل تنتقد نظامًا اجتماعيًا يمنح الثقة مُسبقًا لجنس، ويشترط الإثبات الدائم للآخر.
3- العوائق الثقافية والاجتماعية
تُواجه المرأة في مواقع العمل بيئة ثقافية واجتماعية لا تزال تميل إلى التشكيك في قدرتها على القيادة، وذلك نتيجة شيوع تصورات نمطية تربط هذا الدور بسمات يُعتقد أنها أكثر ملاءمة للرجل، كالحزم والقوة والقدرة على السيطرة، ويزداد هذا التحدي مع محدودية الدعم المؤسسي وغياب النماذج النسائية الفاعلة، كما أكّد عليه المنتدى الاقتصادي العالمي في تقاريره عن فجوة الجندر القيادية.
في كثير من بيئات العمل، لا تُختبر المرأة في قدرتها على الإنجاز بقدر ما تُختبر في «أحقيتها» بالموقع الذي تشغله؛ فقبل أن يُناقش أداؤها تُناقش قراراتها وطريقة إدارتها وأسلوب تواصلها، وكأن وجودها في موقع المسؤولية يحتاج إلى تبرير مستمر، وهنا يُطرح سؤالٌ جوهري: لماذا لا يكفي إنجاز المرأة مرة واحدة ليُعترف بكفاءتها؟
والسبب ببساطة أن المرأة لا تدخل موقع القيادة وهي على «أرض محايدة»، وإنما على أرض مليئة بتوقعات مسبقة؛ فالرجل حين يتولى منصبًا إداريًا يُفترض فيه منذ البداية أنه قادر حتى يثبت العكس، على عكس المرأة، فهي مطالبة بإثبات قدرتها منذ اليوم الأول، وأن أي خطأ، حتى لو كان بسيطًا، يُسجَّل عليها لا بوصفه خطأً مهنيًا، بل كدليل على عدم صلاحيتها؛ ولهذا تسعى كثير من النساء إلى تحقيق إنجازات أكبر من المطلوب، لا طمعًا في التميّز فقط، بل حمايةً لموقعهن من التشكيك.
من الملاحظ أنه كلما زاد حضور المرأة في سوق العمل، ارتفعت أصوات القلق في المجالس والديوانيات: «ستقلّ الفرص، ستتزاحم الأدوار، ستتأثر الأسرة؟…»، وهي مخاوف غالبًا ما تُبنى على انطباعات شخصية أو تصورات ذهنية موروثة، لا على تجارب واقعية أو مؤشرات اقتصادية حقيقية.
فالتجارب في المؤسسات الناجحة أو البيئات العملية المتقدمة لم تُثبت أن وجود النساء كان سببًا في تراجع فرص الرجال، سوى في بعض المؤسسات الهامشية أو غير الناجحة، بل غالبًا ما يحدث العكس؛ فالمؤسسات التي تستوعب الكفاءات بغض النظر عن النوع تصبح أكثر استقرارًا وإنتاجية. فالمرأة لا تدخل سوق العمل لتأخذ مكان أحد، بل لتشغل موقعًا لم يكن مستثمرًا بالكفاءة المناسبة.
أما الخوف من المنافسة، فهو في جوهره خوف من فقدان الامتياز لا من فقدان العمل، ومن فقدان السيطرة لا من فقدان الفرص، ومن فقدان النفوذ لا من فقدان الدور، وحين تُفتح الفرص على أساس الكفاءة والإنصاف في المعاملة والإجراءات والنظرة والقرار، ستختفي «الأفضلية المضمونة»، وسيُصبح الجميع مطالبًا بتطوير أدائه وعمله.
وفي الختام يمكنني القول بكل وضوح وموضوعية إنّ معركة المرأة في الإدارة لم تكن يومًا من الأيام معركة نوعٍ في مواجهة الرجل، ولا صراع أدوار بين الجنسين، بل هي في جوهرها معركة كفاءة وعدالة وفرص متكافئة.
فالتجارب العملية والدراسات العلمية المتراكمة تؤكد أن القيادة ليست امتيازًا أو نفوذًا أو سلطة موروثة، وإنما هي منظومة مهارات تُبنى بالعلم والخبرة والالتزام والقدرة على اتخاذ القرار، وإنّ الخوف من تزايد حضور المرأة في مواقع الإدارة في المؤسسات لا يعكس قلقًا حقيقيًا على سوق العمل، بقدر ما يعكس قلقًا على الامتيازات أو السلطة، وهو تحوّل قد يبدو مقلقًا للبعض، لكنه في حقيقته ضرورة وركيزة أساسية لتقدّم المؤسسات ونهضة المجتمع.
وفي المحصلة، فإن المرأة لا تحتاج إلى «إثبات مضاعف» بقدر ما تحتاج إلى بيئة عادلة تُقيّم الأداء لا الهوية، والنتائج لا الأحكام المسبقة، وحين تُمنح القيادة لمن يستحقها بصرف النظر عن النوع، يتحول العمل من ساحة صراع إلى مساحة تكامل، ومن جدل حول الأحقية إلى تنافس شريف على الإنجاز، وعندها فقط نكون قد انتصرنا لمعركة الإدارة الحقيقية: معركة الكفاءة، لا النوع.
















