آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 1:17 م

دعاء رجب الجامع: خريطة العبودية ومقام الكفاية بين الدنيا والآخرة

من الأدعية التي وردت في شهر رجب ما ذكره الشيخ الطوسي في «مصباح المتهجد»: روى المعلّى بن خنيس عن الصادق أنّه قال: «قل في رجب:

اللهُمَّ إنّي أسألُكَ صَبرَ الشَّاكِرينَ لَكَ وَعَمَلَ الخائِفينَ مِنكَ وَيَقينَ العابِدينَ لَكَ، اللهُمَّ أنتَ العَليُّ العَظيمُ وَأنا عَبدُكَ البائِسُ الفَقيرُ أنتَ الغَنيُّ الحَميدُ وَأنا العَبدُ الذَّليلُ، اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَامنُن بِغِناكَ عَلى فَقري وَبِحِلمِكَ عَلى جَهلي وَبِقوَّتِكَ عَلى ضَعفي يا قَويُّ يا عَزيزُ، اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الأوصياء المَرضيّينَ وَاكفِني ما أهَمَّني مِن أمرِ الدُّنيا وَالآخرةِ يا أرحَمَ الرَّاحِمينَ». [1] 

وقد علق العلامة القمي في مفاتيح الجنان على هذا الدعاء بقوله: هذا دعاء رواه السيد أيضاً في «الاقبال»، ويظهر من تلك الرواية أنّ هذا الدعاء هو أجمع الدعوات ويصلح لأن يُدعى به في كلّ الأوقات. [2] 

هذا الدعاء الشريف، المرويّ عن الإمام الصادق في كتاب المصباح، والمنقول كذلك في الإقبال، يكشف عن نموذجٍ رفيع من الأدعية الجامعة التي تختصر مسار العبودية كلّه في كلمات قليلة، وتؤسّس لعلاقة متكاملة بين العبد وربّه، قائمة على المعرفة، والخضوع، والرجاء.

أوّلًا: جامعٌ لمقامات السلوك

يفتتح الدعاء مساره بطلب ثلاثة مقامات روحية كبرى لا تأتي اعتباطًا، بل تشكّل البنية العميقة لكل سلوكٍ إلى الله. فهي ليست عرضًا لأخلاق متفرّقة، بل نسقٌ متكامل يبدأ من الداخل، ويظهر في الفعل، ويستقرّ في الوعي.

1. صبر الشاكرين:

ليس الصبر هنا مجرّد احتمال للألم أو تحمّل للشدّة، بل هو صبرٌ مشبع بالمعنى؛ صبر يرى يد الله في الأحداث، فيحوّل البلاء من عبءٍ ثقيل إلى رسالةٍ مفهومة. إنّه صبرٌ لا ينفصل عن الشكر، لأنّ الشاكر لا يقف عند ظاهر الألم، بل ينفذ إلى باطن الحكمة. ومن هنا يكون صبر الشاكرين صبرًا ناضجًا، لا يختزن التذمّر، ولا يُراكم السخط الصامت، بل يُنتج سكينةً داخلية تُبقي القلب حيًّا حتى في أقسى الظروف.

2. عمل الخائفين:

ثم ينتقل الدعاء من الشعور إلى السلوك، فيطلب عملًا صادرًا عن الخشية لا عن العادة. فالعمل قد يكون كثيرًا، لكنّه فارغ من الوعي، وقد يكون قليلًا، لكنّه مشبع بالمراقبة. عمل الخائفين هو العمل الذي يستحضر الوقوف بين يدي الله، فيُصفّي النيّة، ويهذّب الدافع، ويمنع التهاون. إنّه عمل لا تحرّكه الغفلة، ولا تسيره التقاليد، بل يحكمه شعور دائم بالمسؤولية الأخلاقية والروحية.

3. يقين العابدين:

ويُختَم هذا الثالوث بطلب اليقين، لأنّ الصبر والعمل لا يستقيمان طويلًا بلا أساس معرفي راسخ. اليقين هنا ليس معلومة ذهنية، ولا قناعة نظرية، بل حالة حضور؛ حضور يجعل العبادة شهودًا لا أداءً، واتصالًا لا تكرارًا. يقين العابدين هو الذي يحرّر العبادة من الاضطراب، ويجعلها ثابتة أمام تقلّبات الواقع، لأنّها متجذّرة في رؤية واضحة لله وللحياة.

وهكذا تتكامل هذه الثلاثية في بناء الإنسان السالك: الصبر يضبط المشاعر، والعمل ينظّم السلوك، واليقين يؤسّس الوعي.

وبهذا يرسم الدعاء خارطة طريق روحية متكاملة لا تبدأ من الخارج، ولا تقف عند السلوك الظاهر، بل تنطلق من الداخل، وتعبر الفعل، وتستقرّ في المعرفة، لتصنع إنسانًا متوازنًا في سيره إلى الله، ثابتًا في تقلبات الطريق، واعيًا بحقيقة ما يطلب ولماذا يطلبه

ثانيًا: بناء الوعي بالعبودية

ينتقل الدعاء في هذا المقطع من مقام الطلب إلى مقام التعريف الوجودي، فيثبّت هوية الإنسان قبل أن يواصل مسار الدعاء: «أنتَ العَليُّ العَظيمُ، وأنا عبدُكَ البائسُ الفقير».

وهذه الجملة ليست توصيفًا عابرًا، بل إعادة صياغة لوعي الإنسان بذاته وبربّه.

فالعبودية هنا لا تُطرح بوصفها انتقاصًا من الكرامة الإنسانية، ولا كإلغاء للذات، بل بوصفها التحرير الحقيقي من وهم الاستقلال. إذ إنّ أخطر ما يقيّد الإنسان ليس الفقر ولا الضعف، بل اعتقاده الخفيّ بأنّه قائم بذاته، مكتفٍ بعقله أو قوّته أو أسبابه. وهذا الوهم هو أصل القلق، وأساس الاضطراب الوجودي.

حين يقول الداعي: أنا عبدك، فهو لا يذوب ولا يتلاشى، بل يعود إلى موقعه الصحيح في سلّم الوجود. وحين يضيف: البائس الفقير، فإنّه لا يمارس جلد الذات، بل يفكّك أوهام الكفاية الذاتية، ليجعل القلب قابلًا للفيض الإلهي. فالفقر المعترف به هو بداية الغنى، أمّا الفقر المنكور فهو باب الحرمان.

وفي المقابل، يأتي توصيف الله بـ «العليّ العظيم» قبل توصيف العبد، ليؤكّد أن العلاقة ليست علاقة نقصٍ مع نقص، بل نقصٌ موصول بكمال. فالله علوّه ذاتي، وعظمته مطلقة، لا تستمدّ من مقارنة ولا من اعتراف، بينما فقر العبد ليس حالة طارئة، بل حقيقة بنيوية في وجوده.

ومن هنا نفهم أن الدعاء لا يربّي الإنسان على الانكسار السلبي، بل على الافتقار الواعي؛ افتقار لا يولّد اليأس، بل يولّد الطمأنينة، لأنّ العبد حين يعرف أنّه فقير على الدوام، يعرف في الوقت نفسه أنّ باب الغنى مفتوح على الدوام.

وهكذا تتحوّل العبودية من مفهوم يُساء فهمه إلى مقام أمان؛ أمانٍ من الغرور، وأمانٍ من التعلّق بالأسباب، وأمانٍ من الانهيار عند الفقد.

فالعبد الذي يقف بهذه المعرفة لا يقف مهزومًا، بل يقف مستعدًا للتلقّي، عالمًا أنّ الاعتراف بالفقر ليس نهاية الطريق، بل هو أوّل خطوة في مسار الغنى بالله

ثالثًا: منطق التعويض الإلهي

في قوله: «امنُن بغناكَ على فقري، وبحِلمِكَ على جهلي، وبقوّتِكَ على ضعفي»

يتجلّى منطق إلهي بالغ العمق، يمكن تسميته بـ قانون التعويض الوجودي؛ وهو قانون لا يقوم على سدّ النقص بنقصٍ مثله، ولا على ترميم الضعف بأدوات بشرية محدودة، بل على ربط النقص الإنساني بمصدر الكمال المطلق.

فالإنسان، في الرؤية التوحيدية، كائن ناقص بالذات، لا لأنّه مذموم، بل لأنّ نقصه هو عين قابليته للكمال. ومن هنا، لا يكون الفقر عيبًا، ولا الجهل فضيحة، ولا الضعف سقوطًا، ما دام العبد واعيًا بمصدر الغنى، والعلم، والقوة.

الفقر في هذا السياق ليس فقر المال فقط، بل فقر الوجود كله؛ فقر المعنى، وفقر السكينة، وفقر الطمأنينة. ولذلك لا يُعالج بالامتلاك ولا بالتكديس، لأنّ الامتلاك يزيد التعلّق ولا يرفع الحاجة. إنّما يُعالج بالاتصال بـ الغني الحميد، حيث يتحوّل الفقر من شعور بالعجز إلى باب للفيض.

أمّا الجهل، فلا يُجبر بالادّعاء ولا بكثرة الكلام، بل يُحتوى بـ الحِلم الإلهي؛ لأنّ أكثر مظاهر الجهل خطرًا هو العجلة، والاندفاع، وسوء التقدير. وحِلم الله لا يعني تأجيل العقوبة فحسب، بل يعني منح الإنسان فسحة للتعلّم، والتدرّج، والتصحيح دون انكسار.

وأمّا الضعف، فهو الحقيقة الأكثر التصاقًا بالإنسان، جسديًا ونفسيًا وروحيًا. والدعاء لا يطلب زوال الضعف، بل يطلب أن يُغمر الضعف بـ قوة الله، فيتحوّل من سبب للانهيار إلى سبب للاعتماد، ومن باعث على الخوف إلى دافع للتوكّل.

واللافت أنّ الدعاء لا يقول: أزل فقري، أزل جهلي، أزل ضعفي، بل يقول: «امنُن بغناك… بحلمك… بقوتك»

أي أنّ الحلّ ليس في محو النقص، بل في إغنائه بالكمال الإلهي. وهذا هو جوهر العبودية: أن يبقى العبد عبدًا، لكن عبدًا موصولًا، مستمدًّا، مستنيرًا.

ومن هنا نفهم أنّ الدعاء ليس طلبًا ظرفيًا، بل تربية دائمة للوعي؛ وعيٍ لا يهرب من نقصه، ولا يتستّر عليه، بل يحمله إلى الله بثقة، لأنّه يعلم أنّ كل باب نقص هو في حقيقته باب قرب، إذا طُرق بالصدق

رابعًا: الولاية في قلب الدعاء

ليست الصلاة على النبي وآله في هذا الدعاء إضافة لفظية ولا تقليدًا تعبديًا منفصلًا عن المضمون، بل هي بنية معرفية وروحية يتشكّل حولها معنى القرب من الله. فحين يخصّ الدعاء النبي وآله بوصف «الأوصياء المرضيّين»، فإنّه يضع الولاية في موقعها الصحيح: لا كعنوان عاطفي، ولا كشعار هويّاتي، بل ك طريق هداية واقعي ومجرَّب.

إنّ التوحيد الخالص، في الرؤية الإمامية، ليس فكرة مجرّدة تُدرَك بالعقل وحده، ولا حالة وجدانية تُختزل في المشاعر، بل هو منهج حياة يحتاج إلى ترجمة عملية. وهذه الترجمة لا تتحقق إلا عبر قدوةٍ معصومةٍ تجسّد التوحيد في السلوك، وتُنزله من مستوى المفهوم إلى مستوى العيش. ومن هنا كانت الولاية امتدادًا طبيعيًا للتوحيد، لا إضافة عليه.

وصفهم بـ «الأوصياء المرضيّين» يحمل دلالتين عميقتين:

• الوصاية: أي الامتداد الشرعي والرسالي للنبي ﷺ، بما يعني أن الهداية ليست منقطعة بعده، بل مستمرة في خطّ واضح المعالم.

• الرضا الإلهي: أي أنّ هذا الخطّ ليس اجتهادًا بشريًا ولا خيارًا تاريخيًا، بل اختيار إلهي مُزكّى، يُؤمَن معه من الانحراف في الفهم والتطبيق.

ومن اللافت أنّ الدعاء يُدرج الولاية في قلب الطلب، لا في هامشه؛ فالصلاة على محمد وآله تأتي في موضع الاستمداد، وكأنّ الدعاء يقرّر أن الفيض الإلهي يُستجلب عبر القناة التي ارتضاها الله لعباده. وهذا ينسف أي تصوّر يفصل بين العلاقة بالله والاقتداء بأوليائه.

هنا تتجلّى وحدة المسار: فلا توحيد بلا ولاية تهدي، ولا ولاية بلا توحيد يضبطها، ولا دعاء مثمر بلا وعي بالطريق الذي يسلكه الدعاء ليُستجاب.

وبهذا، يعلّمنا هذا الدعاء أنّ القرب من الله ليس قفزًا فوق الوسائط التي شرّعها، ولا اختصارًا للطريق باسم الإخلاص، بل سيرٌ واعٍ في خطّ النبوّة والوصاية، حيث يكون الدعاء موقفًا معرفيًا قبل أن يكون طلبًا، والتوسّل إعلانَ التزامٍ قبل أن يكون رجاءً.

خامسًا: شمول الدنيا والآخرة

يبلغ الدعاء ذروته الوجودية والروحية في هذا الختام العميق: «واكفِني ما أهمّني من أمر الدنيا والآخرة»،

وهو طلبٌ لا يستهدف تفصيل الحاجات ولا تعداد المطالب، بل يلخّصها كلّها في كلمة واحدة: الكفاية.

فالكفاية، في المنطق القرآني والروحي، ليست كثرة العطاء ولا وفرة الأسباب، بل حضور العناية الإلهية بما يرفع الهمّ عن القلب. ولهذا لم يقل الدعاء: أعطني، بل قال: اكفني؛ لأنّ الإنسان لا يتعبه الفقر بقدر ما يتعبه القلق، ولا ينهكه النقص بقدر ما ينهكه الاضطراب الداخلي.

وهنا يتجلّى سرّ جامعِيّة هذا الدعاء؛ إذ لا يفصل بين الدنيا والآخرة فصلًا حادًا، ولا يقدّم إحداهما على الأخرى تقديم إلغاء، بل يعترف بأنّ الإنسان كائن يعيش في منطقتين متداخلتين: في الدنيا، حيث المسؤوليات، والأرزاق، والعلاقات، والآلام.؛ وفي الآخرة، حيث المصير، والحساب، والرجاء، والخوف.

والدعاء لا يطلب زوال الهمّين، بل يطلب أن يتكفّل الله بهما معًا؛ أي أن يدير الله شؤون العبد إدارة رحيمة، تُصلح دنياه بما لا يفسد آخرته، وتؤمّن آخرته بما لا يرهقه في دنياه.

واللافت أنّ العبارة جاءت مطلقة: «ما أهمّني»، لا ما هو مهمّ في ذاته فقط، بل ما يثقل القلب ويشغل الفكر ويستنزف الروح. وكأنّ الدعاء يعلّم الإنسان أن يعترف بهمّه كما هو، ثم يسلّمه إلى الله دون مواربة أو تكلّف.

وهكذا تتحقّق الطمأنينة الشاملة؛ طمأنينة لا تعني غياب الابتلاء، بل تعني حضور المعنى في قلب الابتلاء، وطمأنينة لا تقوم على السيطرة على الظروف، بل على الثقة بمن بيده تدبير الظروف.

ومن هنا كان هذا الختام خلاصة المسار كلّه: من الصبر، إلى الخوف، إلى اليقين، ومن الفقر، إلى الاستمداد، ومن الولاية، إلى القرب، حتى تنتهي الرحلة إلى الكفاية… حيث يسكن القلب، لأنّه صار في عهدة أرحم الراحمين

الخلاصة:

إنّ توصيف هذا الدعاء الشريف بأنّه صالح لكلّ الأوقات لا ينبع من كونه مأثورًا في شهر رجب فحسب، ولا من جمال ألفاظه أو بلاغة تراكيبه، بل من عمقه المعرفي وقدرته على ملامسة الإنسان في كل حالاته الوجودية. فهو دعاء يُعيد ترتيب الداخل الإنساني قبل أن يطلب تغيير الخارج، ويؤسّس لعلاقة وعي لا لعلاقة استهلاك في الدعاء.

إنّه دعاء يُرسّخ العقيدة لا عبر الجدل، بل عبر الإقرار الوجداني: علوّ الله، فقر العبد، غنى الرب، ضعف الإنسان، وكمال المولى. ويُهذّب النفس لا عبر الوعظ المباشر، بل عبر تدريبها على الصبر، والخشية، واليقين، وهي مقامات لا تستقيم العبادة بدونها. كما أنّه يضبط العلاقة بين العبد وربّه ضبطًا متوازنًا؛ فلا جرأة مفرطة في الطلب، ولا انكسارًا يائسًا، بل وقوف واعٍ بين يدي الله، يعرف من يخاطب، ولماذا، وكيف.

والأهمّ من ذلك، أنّ هذا الدعاء لا يفصل بين الروح والواقع، ولا بين الآخرة واليوميات؛ بل يجمع بين الحاجة الروحية العميقة والقلق الوجودي اليومي، فيعترف بالهمّ، ويحتويه، ثم يرفعه إلى الله في صيغة كفاية لا استهلاك، وطمأنينة لا ترف.

إنّه دعاءُ من عرف نفسه على حقيقتها: فقيرة، جاهلة، ضعيفة، فرفض أن يغطّي هذا النقص بالادّعاء، وحمله إلى الله بثقة. وهو دعاءُ من عرف ربّه: غنيًّا، حليمًا، قويًا، رحيمًا، فاطمأنّ إلى أنّ اللجوء إليه ليس مجازفة، بل عودة إلى الأصل.

وهكذا يقف الداعي بين يدي الله لا بلسان الطلب وحده، بل بمقام الوعي؛ لا يستجدي، ولا يفاوض، بل يُسلّم أمره تسليم العارف، ويوقن أنّ أرحم الراحمين لا يردّ من أقبل عليه بهذا الصدق، ولا يخيّب من طرق بابه بهذا الفهم

[1]  كتاب الإقبال لابن طاووس، مصباح المتهجد للشيخ الطوسي

[2]  مفاتيح الجنان
استشاري طب أطفال وحساسية