قبل أن يدخل الجسد
لم تكن الرحلة مجرّد انتقالٍ من سماءٍ إلى سماء، إذ كانت عبورًا خفيًّا من فكرة إلى فكرة ومن يقين ساكن إلى دهشة متحركة.
في تلك الطائرة المتجهة إلى ديترويت كنت أجلس إلى جوار ابنتي الكبرى نحمل معنا تعب الوصول الأول وفضول البداية وشيئًا من قلق الغريب الذي لا يزال يختبر الأرض بباطن قدمه.
كانت المرأة الجالسة قربنا أمريكية الملامح عربية الروح لبنانية الأصل. حديثها دافئ فيها عبق ورائحة عاداتنا الجميلة وفضولها ليس من النوع الاستماع السريع فهو ذاك الذي يُنصت قبل أن يسأل. لم يطل الوقت حتى صار الكلام نهرًا عن دراسة وعن جامعة توليدو وعن الغربة وعن تربية البنات والمدن التي تشبه أبناءها دون أن تعترف بهم.
وحين نهضت الطائرة من مقاعدها الأخيرة كانت قد أخذت أرقامنا بإصرار لطيف كمن يخشى أن يضيع معنى جميل إن لم يُمسك به سريعًا. قالت إن بيتها في ميشيغان قريب وإن المسافة لا تقاس بالساعات حين تكون القلوب مستعدة.
لم يكن وعدها مجاملة بل فعلًا مؤجَّلًا ليومٍ قريب.
بعد أيام جاء الاتصال.
دعوة فطور.
لا مطعم ولا مجاملة سريعة وإنما بيت وسفرة ولبنة مصفاة بيد تعرف ما تفعل وزيتون له ذاكرة ومعجنات تفوح منها لهجة الجنوب قبل رائحة الفرن.
قالت: إن لم يكن لديكما سيارة فأنا على استعداد أن آتي بنفسي.
ولم تقلها لتظهر لطفها وكأنها تعتبر الأمر بديهيًا.
حين دخلنا منزلهم لم نستقبل كضيوف ولكن كحكاية عادت لتُكمِل نفسها. زوجها وبناتها وأُمها وضحكات موزعة بلا ترتيب ومأننا نعرف بعضنا منذ زمن طويل وأسئلة لا تحرج.
ثم جاء الحديث… ذاك الذي لا يدعى ويحضر حين تتهيّأ الطاولة له.
كلام عن الطعام.
عن الحلال لا بوصفه وصفة تصف حاله وإنما كأثرٍ بعيد.
عن الذبح لا كفعل سكين ولكن كمعنى اسم.
قلت بهدوءٍ يشبه ما أشعر به: لسنا نتحفظ ونشدد على تذكيته لأننا نخاف فقط وإنما لأننا نُصغي لما يكون أثره فينا وعلينا.
نحن لا نبحث عن اللحم بل عمّا يرافقه خفيًّا بأثره.
توقّفت المرأة ورفعت صوتها بلهجتها اللبنانية العفوية:
انتبهوا… انتبهوا… هيدا الكلام مش عادي.
ثم التفتت إليّ وكأنها فتحت نافذة وقالت:
كمّل… بالله كمّل.
لم أتحدث بوعظ ولا استعنت بنصوص. قلت فقط ما فهمته مع الزمن:
أن ما يدخل الجسد لا يقف عند حدود الجسد.
أن ما ينتزع دون ذكر يُربك أكثر مما يُشبع.
أن الروح وإن صمتت تتغذى.
وأن بعض القسوة لا تأتي من الخارج كونها تأتي من مائدة لم تُسأل من أين جئتِ؟
ساد هدوء وسكوت غريب.
ليس سكوت ثقل إنما كان سكوت تأمل واكتشاف.
كأن الفكرة جلست بينهم تشرب قهوتها بارتياح وابتسامة.
ضحكت إحدى البنات محاولة كسر الجو وقالت ممازحة:
يعني حتى الستيك له شخصية؟
فضحكنا.
لكن الضحكة لم تُلغِ الأثر وإنما جعلته ألطف.
غادرنا البيت لاحقًا ولم نخرج من المعنى.
في الطريق سألتني ابنتي:
هل تعتقد أنهم سيغيرون شيئًا؟
قلت:
لا يهم
يكفي أن الفكرة لم تغلق الباب خلفها.
بعد سنوات ما زالت تلك الوجبة حية في ذاكرتي بما أيقظته لا بطعمها.
علمتني أن الحديث الصادق لا يحتاج منبرًا وأن القيم حين تُقال بلا استعراض وبصفاء ونور فكر تجد طريقها حتى إلى أكثر البيوت حداثة.
بعض القصص لا تروى لتدهش
فهي تذكّرنا أن المعنى…
أحيانًا
يبدأ من لقمة.
















