آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 1:17 م

شبح الفراغ الروحي

حكيمة آل نصيف

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: الآية 3].

تحديد مفهوم التوكّل دينيًا يبعد شبح الكثير من الأوهام والتصورات الخاطئة التي نُسجت من حوله، فأصبح شمعدانًا يُعلّق عليه الكثير من محطات الإخفاق والخيبة والتراجع إلى الوراء في تحقيق أهدافنا وطموحاتنا، فهو لا يعني مطلقًا الانقطاع عن المبادئ والقوانين الدنيوية، ومنها مبدأ السبب والعِلّية «الأخذ بالأسباب»، بل البعد الغيبي في مبدأ التوكّل يشير إلى المرحلة اللاحقة وإتمام المراد وتدبير الأمور وفق المصلحة الإلهية؛ فالمريض - مثلًا - يتعامل مع المرض بعين علمية فيذهب للطبيب الحاذق ويأخذ بالتشخيص والعلاج، ولكنه لا يرى في الدواء المادي تمام الشفاء، بل يتمّمه الشفاء الإلهيّ، وهذا ما نشاهده وجدانًا؛ إذ إن نسبة الشفاء كليًا أو جزئيًا لا تتحقّق مع تناول المريض للدواء، وهكذا بالنسبة لشؤون العباد وتدبيرها على جميع الأصعدة، كالرزق والتوفيق في الدراسة والعمل والراحة النفسية، تحتاج إلى توفيق من الله تعالى.

والتوكّل على الله تعالى حالة يحياها المؤمن تتضمن الاستناد الوجودي العميق إلى الله سبحانه وتعالى، إذ يجد في قدرته اللامحدودة سندًا متينًا يقيه الانهيار أمام تقلبات الحياة وصعوباتها، فالتوكّل اعتماد واعٍ على الحكمة الإلهية ومقرون بالسعي والعمل، ما يجعله عنصرًا أساسيًا في تشكيل شخصية المؤمن المتوازنة الثابتة على أرض الصعوبات.

وبعد الصبر على المصائب والابتلاءات يتجلّى التوكّل بوصفه سلاحًا فعّالًا يعين الإنسان على تجاوز الأزمات ومواجهة التحديات بثبات ووعي، فالمؤمن لا ينظر إلى الشدائد بوصفها نهاية الطريق، بل يراها محطات تربوية تصقل النفس وتعمّق العلاقة بالله تعالى، وتدعوه إلى استدعاء قواه وإمكانياته ومهاراته للعمل جاهدًا على تجاوز العراقيل والصعوبات.

إن الإنسان الذي تغلغلت روح التوكّل في أعماقه يدرك قيمة الحياة وغاياتها، فيستثمر لحظاتها استثمارًا واعيًا، ومستعينًا بعون خالقه، وموقنًا بأنّ كلّ ما يجري في هذا الوجود محكوم بنظام إلهي قائم على العدل والرحمة، وهذا الإدراك يمنحه نظرة إيجابية للحياة حتى في أحلك الظروف، ويراها بعين التفاؤل والإيجابية دون أن تضعف ثقته بالله تعالى.

ومن الناحية النفسية يخلق التوكّل على قدرة الله وحكمته ورحمته حالة من الطمأنينة الداخلية والثقة الصلبة، إذ يشعر الإنسان بحضور الله تعالى في جميع أفعاله وأحواله، فيتراجع القلق ويزول الاضطراب وتستقر النفس أمام المستقبل المجهول؛ هذه الطمأنينة تمنح المؤمن قوة روحية تجعله قادرًا على مواجهة أصعب التحديات دون انهيار أو يأس.

كما أن الاعتماد على الله تعالى يزرع في القلب شعورًا دائمًا بالأمل، فلا يتزعزع الإيمان بقيمة الحياة مهما اشتدت المصائب؛ لأن الأمل المتصل بالله تعالى لا ينطفئ، ففقدان الأمل يعني فقدان المعنى، بينما الإيمان والتوكّل يعيدان للحياة مقصدها ومسارها وطريقة إدارتها الحقيقية.

الحياة التي تقوم على الإيمان والتوكّل حياة عامرةً بالمعنى والقيمة لا تهزمها الشدائد ولا تذبلها التحديات، أمّا الحياة الخالية من الإيمان والأمل فهي فراغ روحي ينتهي غالبًا إلى الضياع واليأس، وقد تبيّن أنّ التوكّل والإيمان ليسا فضيلتين فحسب، بل هما مفتاحا الحياة الحقيقية التي تستحق أن تُعاش.