رحلة في الفكر المؤامراتي
ينطلق الفكر المؤامراتي من رغبة الإنسان العميقة في البحث عن تفسير جاهز لكلّ ما يحدث حوله. فالعقل البشري بطبيعته يميل إلى القصص الواضحة والأسباب المبسّطة، أكثر مما يميل إلى تفكيك العوامل المعقّدة التي تنتج الأزمات وتشكّل الواقع.
عندما ترتفع أسعار السلع، على سبيل المثال، يسارع البعض إلى تفسير الأمر على أنه ”مؤامرة من تجّار جشعين“، بدل التوقف عند عناصر اقتصادية معقّدة مثل تكاليف النقل، اضطرابات سلاسل الإمداد، أو تقلّبات أسعار الصرف. هذا النوع من التفسير لا ينبع من تحليل علمي، بل من حاجة نفسية لإسناد الأحداث إلى ”فاعل شرير“ واضح، لأن هذا أسهل من مواجهة التعقيد.
هذه النزعة تعيد إنتاج تصور قديم للعالم قائم على ثنائية الخير والشر، رغم أن الواقع - نفسيًا واجتماعيًا - لا يعمل بهذه البساطة. فحتى النفس البشرية نفسها، كما أشار علماء النفس الأوائل، أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في أدوار أخلاقية ثابتة.
لكن كيف يتشكّل الفكر المؤامراتي؟
يمكن تلخيص بنيته في ثلاث ركائز أساسية:
حيث يُفترض أن خلف كل حدث عقلًا منظّمًا ونية خفية. فلا يُنظر إلى الأزمات بوصفها نتيجة تفاعل ظروف متعددة، بل كفعلٍ مقصود من ”جهة ما“.
وهي تبسيط العالم إلى طرفين متقابلين: خير مطلق وشر مطلق. وتُفسَّر الظواهر المعقّدة بوصفها فسادًا متعمّدًا، لا نتيجة فشل مؤسسي أو قصور معرفي. وهذه طريقة تفكير يُعرف في المنطق باسم الثنائية الزائفة.
حيث تتحوّل الإشارات والصور إلى أدلة على خطط خفية: شعارات، إشارات يد، رموز إعلامية… فتُحمَّل قدرة تفسيرية تتجاوز طبيعتها الواقعية. الرموز هنا لا تقدّم أدلة، لكنها تمنح القصة جاذبية وانتشارًا.
خطورة هذا النمط من التفكير لا تكمن في غرابته، بل في جاذبيته. فهو يمنح الإنسان شعورًا زائفًا بالفهم والسيطرة، ويقدّم له عالمًا بسيط البنية: أشرار خلف الستار، وخطط خفية، ومعركة أخلاقية واضحة.
لكن الواقع لا يعمل بهذه الطريقة.
فبين الشك العلمي المشروع، والارتياب المؤامراتي، فارق جوهري:
الأول قائم على الدليل والمراجعة، والثاني قائم على الريبة واليقين السريع.
إن أخطر ما تفعله نظريات المؤامرة أنها لا تغيّر تفسيراتنا للأحداث فقط، بل تعيد تشكيل وعينا نفسه؛ إذ تستبدل السؤال الحر بسردية جاهزة، وتحوّل الخوف إلى أداة تفسير، وتمنح الوهم صفة اليقين.
في زمن تتكاثر فيه الأزمات، تصبح مقاومة هذا النمط من التفكير ضرورة فكرية، وليست ترفًا ثقافيًا. لأن الدفاع عن العقل لا يكون بالصراخ، بل بالقدرة على تحمّل تعقيد العالم دون الهروب إلى قصص مريحة لكنها زائفة.
















