آخر تحديث: 20 / 1 / 2026م - 1:17 م

إلى أبي مع التحية

المهندس أمير الصالح *

عندما تكون كل الأنظار متوجهة نحوه، وكل الآمال معلَّقة به، وكل الخطوب تدفعها عني هو، وكل الظلام الحالك والأخبار الموجعة والأنباء السوداء تتبدد بنور وجهه، ولطيف استلهامه من آيات القرآن الحكيم، وكل الشبهات يتم دفعها بنور بصيرته، وكل الإشكالات يتم تفنيدها بفصاحة لسانه وقوة حجته وإقناعه، وكل الآلام تتلاشى ببلسم ابتسامته وقوة دعمه، وكل الأسماع تصغي لكلماته الرقيقة والحانية؛ فإنني أدرك أن ذاك هو أبي.

فبساطته، وتواضعه، وحنانه، وزهده، وعلمه، وتضحياته، وجميل أخلاقه، وأناته، وطول حلمه، وجميل إطلالته، وبشاشة وجهه، وطريف قصصه، ورزانة أفعاله، وطول سجوده، وكثير تسبيحه، وحلو حديثه، وكريم سجاياه، وقوة صبره، وشجاعته، وعمق حكمه، وغزارة تجاربه، ولطيف حواراته، وكثيف قراءاته، وقوة وعيه، وإقدامه وحزمه، وسعة إدراكه بخفايا سلوك الناس، … وصدق التذلل لله في صلاته، وكثير ثناؤه وحمده لله، وحسن تعلقه بما عند الله، وزهده بما في أيدي الناس، وعدم فتوره عن ذكر الصلاة على النبي وآله، وزهده فيما في أيدي الناس؛ فإنني أعلم أن ذاك أبي.

فالحمد لله على نعمة الأب الوفي الشجاع، الصبور، النشيط، الفطن، الطبيب، الحنون، الخلوق، البشوش، المكافح، الطاهر، العفيف، المؤمن، الهادئ، الوقور.

بالمصادفة، شاهدت مقطع فيديو لكلتا أنشودتَي PaPa وMaMa بنسختيهما الإنجليزية والفرنسية؛ وكانتا بحق تتضمنان كلمات جميلة تداعب المشاعر الإنسانية السامية؛ وكان مطلعها: «أبي أنت صخرتي عندما كان كل شيء يهتز من حولي…». وأضرمت كلتا الأنشودتَين بالنسختين الإنجليزية والفرنسية نار الشوق والحب في صدري نحو أبي، لأسطر هذه الأسطر البسيطة نحوه، وأقدم باقة ورد لكل أب صالح ووفي وقدوة حسنة.

حين تعايش هكذا بشر ملائكيين، أو يحملون هكذا سمات طيبة، فإنك توقن بأنك تنظر إلى عمود الخيمة، وقاعدة صلبة، وجبل شامخ، وطود عظيم؛ فإنه حتمًا نعم السند، ونعم الركن الحصين، ومحسوب عند الله عبد صالح من عباد الله الصالحين، وإن بَخِسَ الناس قيمته، وأب حنون، وقائد شجاع، وصاحب يد كريمة؛ وهو رحمة مهداة من الله لنا.

عندما يقول الأب لأفراد أسرته، وهم جميعًا في أحلك الظروف وأقسى الأحوال: ﴿فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: 128]، وهو في كامل هدوئه وتفاؤله؛ فإن هكذا أب/أخ/قائد/صديق محل استلهام، ومقر راحة، ومستودع طمأنينة.

أيها الأب العزيز والوفي، شكرًا لك من القلب: لقد علمتنا على حسن إدارة المشاكل إن وقعت، وأن نواجهها. لقد عودتنا على السعي لاستحصال الطمأنينة بأيدينا بعد اللجوء لله، لا البحث عنها خلف لفت انتباه الآخرين أو استجداء الأشرار، وإن كانوا هم الأقوى. علمتنا على القناعة والرضا مع المثابرة، لا الجشع والسخط والكسل. علمتنا على أن كلمات الله هي الأصدق، وهي التامة بالعهود والمواثيق، وكلام الآخرون وإن كانوا الأقوى قد ينقضونه بعد إطلاقه ولو بعد حين.

شكرًا لك أبي، فقد حفظت ماء وجهي، وأكرمتني، وربيتني، وعلمتني، وغذيتني، وبذلت الكثير للحفاظ عليّ من شرار الناس، وضحيت بوقتك لكسب القوت لي ولإخواني، وتجاوزت الأنانية لتؤثر أنفسنا على نفسك. شكرًا لك أبي، وأطال الله في بركات عمرك. وشكرًا لأبوي هذه الأمة، محمد ﷺ وعلي ، فإنهما نعم الأبوان الرحيمان، النصوحان، الحنونان، المربيان، الدالان على الله جل جلاله، والهاديان إلى سبيله الأنقى والأوفى.